البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٩ - فصل
بينه و بين آدم أب إلا قد مات، إنه لمعرق له في الموت. و قال في بعض خطبه: كم من عامر موثق عما قليل يخرب، و كم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن. فأحسنوا رحمكم اللَّه من الدنيا الرحلة بأحسن ما يحضر بكم من النقلة، بينما ابن آدم في الدنيا ينافس قرير العين فيها يانع، إذ دعاه اللَّه بقدره، و رماه بسهم حتفه، فسلبه اثارة دنياه، و صير إلى قوم آخرين مصانعة و مغناه، إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر، تسر قليلا و تحزن طويلا: و قال إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز قام في الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنه لا كتاب بعد القرآن، و لا نبي بعد محمد (عليه السلام)، و إني لست بقاض و لكنى منفذ، و إني لست بمبتدع و لكنى متبع، إن الرجل الهارب من الامام الظالم ليس بظالم إلا أن الامام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز و جل. و في رواية أنه قال فيها: و إني لست بخير من أحد منكم، و لكنني أثقلكم حملا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية اللَّه، ألا هل أسمعت.
و قال أحمد بن مروان: ثنا أحمد بن يحيى الحلواني ثنا محمد بن عبيد ثنا إسحاق بن سليمان عن شعيب بن صفوان حدثني ابن لسعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز، حمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم لم تخلقوا عبثا، و لم تتركوا سدى، و إن لكم معادا ينزل اللَّه فيه للحكم فيكم و الفصل بينكم، فخاب و خسر من خرج من رحمة اللَّه تعالى، و حرم جنة عرضها السموات و الأرض، أ لم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم الآخر و خافه، و باع فانيا بباق، و نافدا بما لا نفاد له، و قليلا بكثير، و خوفا بأمان، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، و سيكون من بعدكم للباقين، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا و رائحا إلى اللَّه لا يرجع، قد قضى نحبه حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير موسد و لا ممهد، قد فارق الأحباب، و واجه التراب و الحساب، فهو مرتهن بعمله، غنى عما ترك، فقير لما قدم، فاتقوا اللَّه قبل القضاء، و راقبوه قبل نزول الموت بكم، أما إني أقول هذا، ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى و أبكى من حوله. و في رواية: و ايم اللَّه إني لأقول قولي هذا و لا أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي، و لكنها سنن من اللَّه عادلة، أمر فيها بطاعته، و نهى فيها عن معصيته، و أستغفر اللَّه، و وضع كمه على وجهه فبكى حتى بل لحيته، فما عاد لمجلسه حتى مات (رحمه اللَّه).
و روى أبو بكر بن أبى الدنيا عن عمر بن عبد العزيز أنه رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في النوم و هو يقول: «ادن يا عمر، فدنوت حتى خشيت أن أصيبه، فقال: إذا وليت فاعمل نحوا من عمل هذين، فإذا كهلان قد اكتنفاه، فقلت: و من هذان؟ قال: هذا أبو بكر و هذا عمر». و روينا أنه قال:
لسالم بن عبد اللَّه بن عمر: اكتب لي سيرة عمر حتى أعمل بها، فقال له سالم: إنك لا تستطيع ذلك،