البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧ - ثم دخلت سنة سبع و سبعين
الحاكم بمصر و هو عبد العزيز بن مروان أن الروم نزلوا برقة، فأمره بالنهوض إليهم، فساق زهير و معه أربعون نفسا فوجد الروم فأراد أن يكف عن القتال حتى يلحقه العسكر، فقالوا: يا أبا شداد احمل بنا عليهم، فحملوا فقتلوا جميعا
المنذر بن الجارود
مات في هذه السنة. تولى بيت المال و وفد على معاوية و اللَّه أعلم] [١].
ثم دخلت سنة سبع و سبعين
فيها أخرج الحجاج مقاتلة أهل الكوفة و كانوا أربعين ألفا، و انضاف عليهم عشرة آلاف، فصاروا خمسين ألفا، و أمر عليهم عتاب بن ورقاء و أمره أن يقصد لشبيب أين كان، و أن يصمم على قتاله- و كان قد اجتمع على شبيب ألف رجل- و أن لا يفعلوا كما كانوا يفعلون قبلها من الفرار و الهزيمة.
و لما بلغ شبييا ما بعث به الحجاج إليه من العساكر و الجنود، لم يعبأ بهم شيئا، بل قام في أصحابه خطيبا فوعظهم و ذكرهم و حثهم على الصبر عند اللقاء و مناجزة الأعداء، ثم سار شبيب بأصحابه نحو عتاب بن ورقاء، فالتقيا في آخر النهار عند غروب الشمس، فأمر شبيب مؤذنه سلام بن يسار الشيباني فأذن المغرب ثم صلى شبيب بأصحابه المغرب صلاة تامة الركوع و السجود، وصف عتاب أصحابه- و كان قد خندق حوله و حول جيشه من أول النهار- فلما صلى شبيب بأصحابه المغرب انتظر حتى طلع القمر و أضاء ثم تأمل الميمنة و الميسرة ثم حمل على أصحاب رايات عتاب و هو يقول: أنا شبيب أبو المد له لا حكم الا للَّه، فهزمهم و قتل أميرهم قبيصة بن والق و جماعة من الأمراء معه، ثم كر على الميمنة و على الميسرة ففرق شمل كل واحدة منهما، ثم قصد القلب فما زال حتى قتل الأمير عتاب بن ورقاء و زهرة بن جونة، و ولى عامة الجيش مدبرين و داسوا الأمير عتاب و زهرة فوطئته الخيل. و قتل في المعركة عمار بن يزيد الكلبي. ثم قال شبيب لأصحابه: لا تتبعوا منهزما، و انهزم جيش الحجاج عن بكرة أبيهم راجعين إلى الكوفة، و كان شبيب لما احتوى على المعسكر أخذ ممن بقي منهم البيعة له بالامارة و قال لهم إلى أي ساعة تهربون؟ ثم احتوى على ما في المعسكر من الأموال و الحواصل، و استدعى بأخيه مصاد من المدائن، ثم قصد نحو الكوفة، و قد وفد إلى الحجاج سفيان بن الأبرد الكلبي و حبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذ حج في ستة آلاف فارس و معهما خلق من أهل الشام، فاستغنى الحجاج بهم عن نصرة أهل الكوفة، و قام في الناس خطيبا فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال:
يا أهل الكوفة لا أعز اللَّه من أراد بكم العز، و لا نصر من أراد بكم النصر، اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتال عدونا، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود و النصارى، فلا يقاتلن معنا إلا من كان عاملا لنا، و من لم يشهد قتال عتاب بن ورقاء، و عزم الحجاج على قتال شبيب بنفسه و سار شبيب حتى
[١] سقط من المصرية