البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٩ - ثم دخلت سنة أربع و عشرين و مائة
معاندتهم للمسلمين كان ضررهم أشد، أجابهم إلى ذلك، و قد بعث يوسف بن عمر أمير العراق وفدا إلى أمير المؤمنين يسأل منه أن يضم إليه نيابة خراسان، و تكلموا في نصر بن سيار بأنه و إن كان شهما شجاعا، إلا أنه قد كبر و ضعف بصره فلا يعرف الرجل إلا من قريب بصوته، و تكلموا فيه كلاما كثيرا، فلم يلتفت إلى ذلك هشام، و استمر به على إمرة خراسان و ولايتها. قال ابن جرير: و حج بالناس فيها يزيد بن هشام بن عبد الملك، و العمال فيها من تقدم ذكرهم في التي قبلها. و توفى في هذه السنة ربيعة بن يزيد القصير من أهل دمشق، و أبو يونس سليمان بن جبير، و سماك بن حرب، و محمد ابن واسع بن حيان، و قد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل و للَّه الحمد.
[قال محمد بن واسع: أول من يدعى يوم القيامة إلى الحساب القضاة. و قال: خمس خصال تميت القلب: الذنب على الذنب، و مجالسة الموتى، قيل له: و من الموتى؟ قال: كل غنى مترف، و سلطان جائر. و كثرة مشاقة النساء، و حديثهن، و مخالطة أهله. و قال مالك بن دينار: إني لأغبط الرجل يكون عيشه كفافا فيقنع به. فقال محمد بن واسع: أغبط منه و اللَّه عندي من يصبح جائعا و هو عن اللَّه راض. و قال: ما آسى عن الدنيا إلا على ثلاث: صاحب إذا اعوججت قومنى، و صلاة في جماعة يحمل عنى سهوها و أفوز بفضلها، و قوت من الدنيا ليس لأحد فيه منة، و لا للَّه على فيه تبعة. و روى رواد بن الربيع قال: رأيت محمد بن واسع بسوق بزور و هو يعرض حمارا له للبيع، فقال له رجل:
أ ترضاه لي؟ فقال لو رضيته لم أبعه.
و لما ثقل محمد بن واسع كثر عليه الناس في العيادة، قال بعض أصحابه: فدخلت عليه فإذا قوم قعود و قوم قيام، فقال: ما ذا يغنى هؤلاء عنى إذا أخذ بناصيتي و قدمي غدا و ألقيت في النار؟! و بعث بعض الخلفاء مالا مستكثرا إلى البصرة ليفرق في فقراء أهلها، و أمر أن يدفع إلى محمد بن واسع منه فلم يقبله و لم يلتمس منه شيئا، و أما مالك بن دينار فإنه قبل ما أمر له به، و اشترى به أرقاء و أعتقهم و لم يأخذ لنفسه منه شيئا، فجاءه محمد بن واسع يلومه على قبوله جوائز السلطان. فقال له: يا مالك قبلت جوائز السلطان؟ فقال له مالك: يا أبا عبد اللَّه! سل أصحابى ما ذا فعلت منه، فقالوا له: إنه اشترى به أرقاء و أعتقهم، فقال له: سألتك باللَّه أقلبك الآن لهم مثل ما كان قبل أن يصلوك. فقام مالك و حثا على رأسه التراب و قال: إنما يعرف اللَّه محمد بن واسع، إنما مالك حمار إنما مالك حمار، و كلام محمد بن واسع كثير جدا (رحمه اللَّه)] [١]
ثم دخلت سنة أربع و عشرين و مائة
فيها غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك بلاد الروم فلقى ملك الروم اليون فقاتله فسلم سليمان و غنم.
[١] زيادة من المصرية.