البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٩ - ثم دخلت سنة ثنتين و عشرين و مائة
في أيامه، في كثرة مغازيه، و كثرة فتوحه، و قوة عزمه، و شدة بأسه، و جودة تصرفه في نقضه و إبرامه، و هذا مع الكرم و الفصاحة، و قال يوما لنصيب الشاعر: سلني، قال: لا، قال: و لم؟ قال:
لأن كفك بالجزيل أكثر من مسألتى باللسان. فأعطاه ألف دينار. و قال أيضا: الأنبياء لا يتنابون كما يتناب الناس ما ناب نبي قط و قد أوصى بثلث ماله لأهل الأدب، و قال: إنها صنعة جحف أهلها. و قال الوليد بن مسلم و غيره: توفى يوم الأربعاء لسبع مضين من المحرم سنة إحدى و عشرين و مائة، و قيل في سنة عشرين و مائة، و كانت وفاته بموضع يقال له الحانوت، و قد رثاه بعضهم، و هو ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال:
أقول و ما البعد إلا الردى* * * أ مسلم لا تبعدن مسلمه
فقد كنت نورا لنا في البلاد* * * مضيئا فقد أصبحت مظلمة
و نكتم موتك نخشى اليقين* * * فأبدى اليقين لنا الجمجمة
نمير بن قيس
شعري قاضى دمشق، تابعي جليل، روى عن حذيفة مرسلا و أبى موسى مرسلا و أبى الدرداء و عن معاوية مرسلا و غير واحد من التابعين، و حدث عنه جماعة كثيرون، منهم الأوزاعي و سعيد ابن عبد العزيز و يحيى بن الحارث الذمارى. ولاه هشام بن عبد الملك القضاء بدمشق بعد عبد الرحمن ابن الخشخاش العذري، ثم استعفى هشاما فعفاه و ولى مكانه بزيد بن عبد الرحمن بن أبى ملك.
و كان نمير هذا لا يحكم باليمين مع الشاهد، و كان يقول: الأدب من الآباء، و الصلاح من اللَّه. قال غير واحد: توفى سنة إحدى و عشرين و مائة، و قيل سنة ثنتين و عشرين و مائة، و قيل سنة خمس عشرة و مائة، و هو غريب و اللَّه سبحانه أعلم
ثم دخلت سنة ثنتين و عشرين و مائة
ففيها كان مقتل زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، و كان سبب ذلك أنه لما أخذ البيعة ممن بايعه من أهل الكوفة، أمرهم في أول هذه السنة بالخروج و التأهب له، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك. فانطلق رجل يقال له سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره- و هو بالحيرة يومئذ- خبر زيد بن على هذا و من معه من أهل الكوفة، فبعث يوسف بن عمر يتطلبه و يلح في طلبه، فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن على فقالوا له: ما قولك يرحمك اللَّه في أبى بكر و عمر؟ فقال: غفر اللَّه لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما، و أنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، و لكن القوم استأثروا علينا به و دفعونا عنه، و لم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ولوا فعدلوا، و عملوا بالكتاب