البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣١ - عبد اللَّه أبو يحيى المعروف بالبطال
احتزوا رأسه و اتركوا جثته في القتلى، فقال ابنه: لا و اللَّه لا تأكل أبى الكلاب. و قال بعضهم:
ادفنوه في العباسية، و قال بعضهم: ادفنوه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين، ففعلوا ذلك و أجروا على قبره الماء لئلا يعرف، و انفتل أصحابه حيث لم يبق لهم رأس يقاتلون به، فما أصبح الفجر و لهم قائمة ينهضون بها، و تتبع يوسف بن عمر الجرحى هل يجد زيدا بينهم، و جاء مولى لزيد سندي قد شهد دفنه فدل على قبره فأخذ من قبره، فأمر يوسف بن عمر بصلبه على خشبة بالكناسة، و معه نصر بن خزيمة و معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، و زياد النهدي، و يقال إن زيدا مكث مصلوبا أربع سنين، ثم أنزل بعد ذلك و أحرق فاللَّه أعلم. و قد ذكر أبو جعفر ابن جرير الطبري أن يوسف بن عمر لم يعلم بشيء من ذلك حتى كتب له هشام بن عبد الملك: إنك لغافل، و إن زيد ابن على غارز ذنبه بالكوفة يبايع له، فألح في طلبه و أعطه الأمان، و إن لم يقبل فقاتله، فتطلبه يوسف حتى كان من أمره ما تقدم، فلما ظهر على قبره حز رأسه و بعثه إلى هشام، و قام من بعده الوليد ابن يزيد فأمر به فأنزل و حرق في أيامه قبح اللَّه الوليد بن يزيد. فأما ابنه يحيى بن زيد بن على فاستجار بعبد الملك بن بشر بن مروان، فبعث إليه يوسف بن عمر يتهدده حتى يحضره، فقال له عبد الملك ابن بشر: ما كنت لآوى مثل هذا الرجل و هو عدونا و ابن عدونا. فصدقه يوسف بن عمر في ذلك، و لما هدأ الطلب عنه سيره إلى خراسان فخرج يحيى بن زيد في جماعة من الزيدية إلى خراسان فأقاموا بها هذه المدة.
قال أبو مخنف: و لما قتل زيد خطب يوسف بن عمر أهل الكوفة فنهددهم و توعدهم و شتمهم و قال لهم فيما قال: و اللَّه لقد استأذنت أمير المؤمنين في قتل خلق منكم، و لو أذن لي لقتلت مقاتلتكم و سبيت ذراريكم، و ما صعدت لهذا المنبر إلا لأسمعكم ما تكرهون.
قال ابن جرير: و في هذه السنة قتل عبد اللَّه البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم، و لم يزد ابن جرير على هذا، و قد ذكر هذا الرجل الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير فقال:
عبد اللَّه أبو يحيى المعروف بالبطال
كان ينزل أنطاكية، حكى عنه أبو مروان الأنطاكي، ثم روى باسناده أن عبد الملك بن مروان حين عقد لابنه مسلمة على غزو بلاد الروم، ولى على رؤساء أهل الجزيرة و الشام البطال، و قال لابنه: سيره على طلائعك، و امره فليعس بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع. و خرج معهم عبد الملك يشيعهم إلى باب دمشق. قال: فقدم مسلمة البطال على عشرة آلاف يكونون بين يديه ترسا من الروم أن يصلوا إلى جيش المسلمين. قال محمد بن عائذ الدمشقيّ: ثنا الوليد بن مسلمة حدثني أبو مروان- شيخ من أهل أنطاكية- قال: كنت أغازى مع البطال و قد أوطأ الروم ذلا،