البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٨ - فصل
الى القول الأول، قال الجريريّ: و إلى القول الأول نذهب. و تقدم أن عمر بن عبد العزيز لما رجع من جنازة سليمان أتى بمراكب الخلافة ليركبها فامتنع من ذلك و أنشأ يقول:-
فلو لا التقى ثم النهى خشية الردى* * * لعاصيت في حب الصبا كل زاجر
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى* * * له صبوة أخرى الليالي الغوابر
ثم قال: ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه، قدموا إلى بغلتي، ثم أمر ببيع تلك المراكب الخليفية فيمن يزيد، و كانت من الخيول الجياد المثمنة، فباعها و جعل أثمانها في بيت المال. قالوا: و لما رجع من الجنازة و قد بايعه الناس و استقرت الخلافة باسمه، انقلب و هو مغتم مهموم، فقال له مولاه: مالك هكذا مغتما مهموما و ليس هذا بوقت هذا؟ فقال: ويحك و ما لي لا أغتم و ليس أحد من أهل المشارق و المغارب من هذه الأمة إلا و هو يطالبني بحقه أن أؤديه إليه، كتب إلى في ذلك أو لم يكتب، طلبه منى أو لم يطلب. قالوا: ثم إنه خير امرأته فاطمة بين أن تقيم معه على أنه لا فراغ له إليها، و بين أن تلحق بأهلها، فبكت و بكى جواريها لبكائها، فسمعت ضجة في داره، ثم اختارت مقامها معه على كل حال رحمها اللَّه. و قال له رجل: تفرغ لنا يا أمير المؤمنين، فأنشأ يقول:
قد جاء شغل شاغل* * * و عدلت عن طرق السلامة
ذهب الفراغ فلا فراغ* * * لنا إلى يوم القيامة
و قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن سلام عن سلام بن سليم قال: لما ولى عمر بن عبد العزيز صعد المنبر و كان أول خطبة خطبها حمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس و إلا فليفارقنا، يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، و يعيننا على الخير بجهده، و يدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، و لا يغتابن عندنا أحدا، و لا يعرضن فيما لا يعنيه. فانقشع عنه الشعراء و الخطباء و ثبت معه الفقهاء و الزهاد، و قالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف فعله قوله. و قال سفيان ابن عيينة: لما ولى عمر بن عبد العزيز بعث إلى محمد بن كعب و رجاء بن حيوة و سالم بن عبد اللَّه فقال لهم: قد ترون ما ابتليت به و ما قد نزل بى، فما عندكم؟ فقال محمد بن كعب: اجعل الشيخ أبا، و الشاب أخا، و الصغير ولدا، و بر أباك و صل أخاك، و تعطف على ولدك. و قال رجاء: ارض للناس ما ترضى لنفسك، و ما كرهت أن يؤتى إليك فلا تأته إليهم، و اعلم أنك أول خليفة تموت.
و قال سالم: اجعل الأمر واحدا و صم فيه عن شهوات الدنيا، و اجعل آخر فطرك فيه الموت. فكأن قد. فقال عمر: لا حول و لا قوة إلا باللَّه.
و قال غيره: خطب عمر بن عبد العزيز يوما الناس فقال- و قد خنقته العبرة- أيها الناس! أصلحوا آخرتكم يصلح اللَّه دنياكم، و أصلحوا أسراركم يصلح لكم علانيتكم، و اللَّه إن عبدا ليس