البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٢ - وقعة دير الجماجم
أخى أمير المؤمنين إليكم بذلك، فقالوا: ننظر في أمرنا غدا و نرد عليكم الخبر عشية، ثم انصرفوا فاجتمع جميع الأمراء إلى ابن الأشعث فقام فيهم خطيبا و ندبهم إلى قبول ما عرض عليهم من عزل الحجاج عنهم و بيعة عبد الملك و إبقاء الأعطيات و إمرة محمد بن مروان على العراق بدل الحجاج، فنفر الناس من كل جانب و قالوا: لا و اللَّه لا نقبل ذلك، نحن أكثر عددا و عددا، و هم في ضيق من الحال و قد حكمنا عليهم و ذلوا لنا، و اللَّه لا نجيب إلى ذلك أبدا. ثم جددوا خلع عبد الملك و نائبة ثانية، و اتفقوا على ذلك كلهم.
فلما بلغ عبد اللَّه بن عبد الملك و عمه محمدا الخبر قالا للحجاج: شأنك بهم إذا، فنحن في طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين، فكانا إذا لقياه سلما عليه بالإمرة و يسلم هو أيضا عليهم بالإمرة، و تولى الحجاج أمر الحرب و تدبيرها كما كان قبل ذلك، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال و الحرب، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليمان، و على ميسرته عمارة بن تميم اللخمي، و على الخليل سفيان بن الأبرد و على الرجالة عبد الرحمن بن حبيب الحكمي. و جعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن حارثة الجشمي، و على الميسرة الأبرد بن قرة التميمي، و على الخيالة عبد الرحمن ابن عياش بن أبى ربيعة، و على الرجالة محمد بن سعد بن أبى وقاص الزهري، و على القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي، و كان فيهم سعيد بن جبير و عامر الشعبي و عبد الرحمن بن أبى ليلى و كميل بن زياد- و كان شجاعا فاتكا على كبر سنه- و أبو البحتري الطائي و غيرهم، و جعلوا يقتتلون في كل يوم، و أهل العراق تأتيهم الميرة من الرساتيق و الأقاليم، من العلف و الطعام، و أما أهل الشام الذين مع الحجاج فهم في أضيق حال من العيش، و قلة من الطعام، و قد فقدوا اللحم بالكلية فلا يجدونه، و ما زالت الحرب في هذه المدة كلها حتى انسلخت هذه السنة و هم على حالهم و قتالهم في كل يوم أو يوم بعد يوم، و الدائرة لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام. و قد قتل من أصحاب الحجاج زياد بن غنم، و كسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلاف جفون سيوفهم و استقتلوا و كانوا من أصحاب ابن الأشعث.
و في هذه السنة كانت وفاة المهلب بن أبى صفرة، و هو المهلب بن أبى صفرة ظالم أبو سعيد الأزدي أحد أشراف أهل البصرة و وجوههم و دهاتهم و أجوادهم و كرمائهم، ولد عام الفتح، و كانوا ينزلون فيما بين عمان و البحرين، و قد ارتد قومه فقالتهم عكرمة بن أبى جهل فظفر بهم، و بعث بهم إلى الصديق و فيهم أبو صفرة و ابنه المهلب غلام لم يبلغ الحنث، ثم نزل المهلب البصرة و قد غزا في أيام معاوية أرض الهند سنة أربع و أربعين، و ولى الجزيرة لابن الزبير سنة ثمان و ستين، ثم ولى حرب الخوارج أول دولة الحجاج، و قتل منهم في وقعة واحدة أربعة آلاف و ثمانمائة، فعظمت منزلته عند الحجاج.
و كان فاضلا شجاعا كريما يحب المدح، و له كلام حسن، فمنه: نعم الخصلة السخاء تستر عورة الشريف