البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - فصل
قال أبو بلال الأشعري: حدثنا محمد بن مروان عن ثابت عن محمد بن على بن الحسين في قوله تعالى: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا قال: الغرفة الجنة بما صبروا على الفقر في الدنيا.
و قال عبد السلام بن حرب عن زيد بن خيثمة عن أبى جعفر قال: الصواعق تصيب المؤمن و غير المؤمن، و لا تصيب الذاكر.
قلت: و قد روى نحو هذا عن ابن عباس قال: لو نزل من السماء صواعق عدد النجوم لم تصب الذاكر.
و قال جابر الجعفي: قال لي محمد بن على: يا جابر إني لمحزون، و إني لمشتغل القلب. قلت: و ما حزنك و شغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافى دين اللَّه عز و جل شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا؟ و ما عسى أن تكون؟ هل هي إلا مركبا ركبته؟ أو ثوبا لبسته؟ أو امرأة أصبتها؟ يا جابر! إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، و لم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم، و لم يصمهم عن ذكر اللَّه ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، و لم يعمهم عن نور اللَّه ما رأوا بأعينهم من الزينة ففازوا بثواب الأبرار. إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، و أكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك، و إن ذكرت أعانوك، قوالين بحق اللَّه، قوامين بأمر اللَّه، قطعوا لمحبة ربهم عز و جل، و نظروا إلى اللَّه و إلى محبته بقلوبهم، و توحشوا من الدنيا لطاعة محبوبهم، و علموا أن ذلك من أمر خالقهم، فأنزلوا الدنيا حيث أنزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه و تركوه، و كماء أصبته في منامك فلما استيقظت إذا ليس في يدك منه شيء، فاحفظ اللَّه فيما استرعاك من دينه و حكمته.
و قال خالد بن يزيد: سمعت محمد بن على يقول: قال عمر بن الخطاب: إذا رأيتم القارئ يحب الأغنياء فهو صاحب الدنيا، و إذا رأيتموه يلزم السلطان فهو لص.
و كان أبو جعفر يصلى كل يوم و ليلة بالمكتوبة.
و روى ابن أبى الدنيا عنه قال: سلاح اللئام قبيح الكلام.
و روى أبو الأحوص عن منصور عنه قال: لكل شيء آفة، و آفة العلم النسيان.
و قال لابنه: إياك و الكسل و الضجر فإنهما مفتاح كل خبيثة، إنك إذا كسلت لم تؤد حقا، و إن ضجرت لم تصبر على حق.
و قال: أشد الأعمال ثلاثة ذكر اللَّه على كل حال، و إنصافك من نفسك، و مواساة الأخ في المال.
و قال خلف بن حوشب: قال أبو جعفر: الايمان ثابت في القلب، و اليقين خطرات، فيمر اليقين بالقلب فيصير كأنه زبر الحديد، و يخرج منه فيصير كأنه خرقة بالية، و ما دخل قلب عبد شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدره أو أكثر منه.
و قال لجابر الجعفي: ما يقول فقهاء العراق في قوله تعالى: لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ؟ قال: رأى يعقوب عاضا على إبهامه. فقال: لا! حدثني أبى عن جدي على بن أبى طالب أن البرهان الّذي رآه أنها حين همت به و هم بها أي طمع فيها، قامت إلى صنم لها مكلل بالدر و الياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض خشية أن يراها، أو استحياء منه. فقال لها يوسف: ما هذا؟ فقالت إلهي أستحى