البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥١
ليث على و في الحروب نعامة* * * فتخاء تجفل من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى* * * بل كان قلبك في جناحي طائر
ثم دخلت سنة خمس و عشرين و مائة
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا رزق اللَّه بن موسى ثنا محمد بن إسماعيل بن أبى فديك ثنا عبد الملك بن زيد عن مصعب بن مصعب عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ترفع زينة الدنيا سنة خمس و عشرين و مائة، و كذا رواه أبو يعلى في مسندة عن أبى كريب عن ابن أبى فديك عن عبد الملك بن سعيد بن زيد بن نفيل عن مصعب بن مصعب عن الزهري به. قلت: و هذا حديث غريب منكر، و مصعب بن مصعب بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري تكلم فيه و ضعفه على بن الحسين بن الجنيد: و كذا تكلم في الراويّ عنه أيضا و اللَّه أعلم. و فيها غزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة من بلاد الروم، و في ربيع الآخر منها توفى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بن مروان.
ذكر وفاته و ترجمته (رحمه اللَّه)
هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد القرشي الأموي الدمشقيّ، أمير المؤمنين. و أمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل المخزومي، و كانت داره بدمشق عند باب الخواصين، و بعضها اليوم مدرسة نور الدين الشهيد التي يقال لها النورية الكبيرة، و تعرف بدار القبابين- يعنى الذين يبيعون القباب و هي الخيام- فكانت تلك المحلة داره و اللَّه أعلم. و قد بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن عبد الملك بعهد منه إليه، و ذلك يوم الجمعة لأربع بقين من شعبان سنة خمس و مائة، و كان له من العمر يومئذ أربع و ثلاثون سنة، و كان جميلا أبيض أحول يخضب بالسواد، و هو الرابع من ولد عبد الملك الذين ولوا الخلافة، و قد كان عبد الملك رأى في المنام كأنه بال في المحراب أربع مرات، فدس إلى سعيد بن المسبب من سأله عنها ففسرها له بأنه يلي الخلافة من ولده أربعة، فوقع ذلك، فكان هشام آخرهم، و كان في خلافته حازم الرأى جماعا للأموال يبخل، و كان ذكيا مدبرا له بصر بالأمور جليلها و حقيرها، و كان فيه حلم و أناة، شتم مرة رجلا من الأشراف فقال: أ تشتمني و أنت خليفة اللَّه في الأرض؟ فاستحيا و قال: اقتص منى بدلها أو قال بمثلها، فقال: إذا أكون سفيها مثلك، قال فخذ عوضا قال: لا أفعل، قال: فأتركها للَّه، قال:
هي للَّه ثم لك، فقال هشام عند ذلك: و اللَّه لا أعود إلى مثلها.
و قال الأصمعي: أسمع رجل هشاما كلاما فقال له: أ تقول لي مثل هذا و أنا خليفتك؟ و غضب مرة على رجل فقال له: اسكت و إلا ضربتك سوطا، و كان على بن الحسين قد اقترض من مروان