البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٣
شبة قال: دخلت على هشام و عليه قباء فتك أخضر، فوجهني إلى خراسان، ثم جعل يوصيني و أنا انظر إلى القباء، ففطن فقال: ما لك؟ قلت: عليك قباء فتك أخضر، [و كنت رأيت عليك مثله] قبل أن تلى الخلافة، فجعلت أتأمل هذا هو ذاك أم غيره، قال: و اللَّه الّذي لا إله غيره هو ذاك، ما لي قباء غيره، و ما ترون من جمعى لهذا المال و صونه إلا لكم. قال عقال: و كان هشام محشوا بخلا.
و قال عبد اللَّه بن عليّ عم السفاح: جمعت دواوين بنى أمية فلم أر أصلح للعامة و السلطان من ديوان هشام. و قال المدائني عن هشام بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بنى مروان أشد نظرا في أصحابه و دواوينه، و لا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام، و هو الّذي قتل غيلان القدري، و لما أحضر بنى يديه قال له: ويحك قل ما عندك، إن كان حقا اتبعناه، و إن كان باطلا رجعت عنه، فناظره ميمون بن مهران فقال لميمون أشياء فقال له: أ يعصى اللَّه كارها؟ فسكت غيلان فقيده حينئذ هشام و قتله. و قال الأصمعي عن أبى الزناد عن منذر بن أبى ثور قال: أصبنا في خزائن هشام اثنى عشر ألف قميص كلها قد أثر بها. و شكى هشام إلى أبيه ثلاثا إحداهن أنه يهاب الصعود إلى المنبر، و الثانية قلة تناول الطعام، و الثالثة أن عنده في القصر مائة جارية من حسان النساء لا يكاد يصل إلى واحدة منهن. فكتب إليه أبوه: أما صعودك إلى المنبر فإذا علوت فوقه فارم ببصرك إلى مؤخر الناس فإنه أهون عليك، و أما قلة الطعام فمر الطباخ فليكثر الألوان فعلك أن تتناول من كل لون لقمة، و عليك بكل بيضاء بضة، ذات جمال و حسن. و قال أبو عبد اللَّه الشافعيّ: لما بنى هشام بن عبد الملك الرصافة قال: أحب أن أخلو بها يوما لا يأتينى فيه خبر غم، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة دم من بعض الثغور، فقال: و لا يوما واحدا؟! و قال سفيان بن عيينة: كان هشام لا يكتب إليه بكتاب فيه ذكر الموت. و قال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا حسين ابن زيد عن شهاب بن عبد ربه عن عمر بن على قال: مشيت مع محمد بن على- يعنى ابن الحسين ابن على بن أبى طالب- إلى داره عند الحمام فقلت له: إنه قد طال ملك هشام و سلطانه، و قد قرب من العشرين سنة، و قد زعم الناس أن سليمان سأل ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فزعم الناس أنها العشرون، فقال: ما أدرى ما أحاديث الناس، و لكن أبى حدثني عن أبيه عن على
عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «لن يعمر اللَّه ملكا في أمة نبي مضى قبله ما بلغ ذلك النبي من العمر في أمته، فان اللَّه عمر نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاث عشرة سنة بمكة و عشرا بالمدينة».
و قال ابن أبى خيثمة: ليس حديث فيه توقيت غير هذا، قرأه يحيى بن معين على كتابي فقال: من حدثك به؟ فقلت: إبراهيم، فتلهف أن لا يكون سمعه، و قد رواه ابن جرير في تاريخه عن أحمد بن زهير عن إبراهيم بن المنذر الحزامي. و روى مسلم بن إبراهيم ثنا القاسم بن الفضل حدثني عباد بن المعرا الفتكى [١] عن عاصم بن
[١] كذا الأصل.