البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٨ - بلال بن سعد
الشيطان؟ فقال: إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر. و قال سفيان: سئل الزهري عن الزاهد فقال: من لم يمنع الحلال شكره، و لم يغلب الحرام صبره. و قال سفيان: قالوا للزهري: لو أنك الآن في آخر عمرك أقمت بالمدينة، فقعدت إلى مسجد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و درجت و جلسنا إلى عمود من أعمدته فذكرت الناس و علمتهم؟ فقال: لو أنى فعلت ذلك لوطئ عقبى، و لا ينبغي لي أن أفعل ذلك حتى أزهد في الدنيا و أرغب في الآخرة. و كان الزهري يحدث أنه هلك في جبال بيت المقدس بضعة و عشرون نبيا، ماتوا من الجوع و العمل. كانوا لا يأكلون إلا ما عرفوا، و لا يلبسون إلا ما عرفوا و كان يقول: العبادة هي الورع و الزهد، و العلم هو الحسنة، و الصبر هو احتمال المكاره، و الدعوة إلى اللَّه على العمل الصالح] [١]
و ممن توفى في خلافة هشام بن عبد الملك كما أورده ابن عساكر
بلال بن سعد
ابن تميم السكونيّ أبو عمرو، و كان من الزهاد الكبار، و العباد الصوام القوام، روى عن أبيه و كان أبوه له صحبة، و عن جابر و ابن عمر و أبى الدرداء و غيرهم، و عنه جماعات منهم أبو عمرو الأوزاعي و كان الأوزاعي يكتب عنه ما يقوله من الفوائد العظيمة في قصصه و وعظه، و قال: ما رأيت واعظا قط مثله. و قال أيضا: ما بلغني عن أحد من العبادة ما بلغني عنه، كان يصلى في اليوم و الليلة ألف ركعة. و قال غيره و هو الأصمعي: كان إذا نعس في ليل الشتاء ألقى نفسه في ثيابه في البركة، فعاتبه بعض أصحابه في ذلك فقال: إن ماء البركة أهون من عذاب جهنم. و قال الوليد بن مسلم: كان إذا كبر في المحراب سمعوا تكبيره من الأوزاع. قلت: و هي خارج باب الفراديس. و قال أحمد بن عبد اللَّه العجليّ: هو شامي تابعي ثقة. و قال أبو زرعة الدمشقيّ: كان أحد العلماء قاصا حسن القصص، و قد اتهمه رجاء بن حيوة بالقدر حتى قال بلال يوما في وعظه: رب مسرور مغرور، و رب مغرور لا يشعر، فويل لمن له الويل و هو لا يشعر، يأكل و يشرب، و يضحك، و قد حق عليه في قضاء اللَّه أنه من أهل النار، فيا ويل لك روحا، يا ويل لك جسدا، فلتبك و لتبك عليك البواكي لطول الأبد.
و قد ساق ابن عساكر شيئا حسنا من كلامه في مواعظه البليغة، فمن ذلك قوله: و اللَّه لكفى به ذنبا أن اللَّه يزهدنا في الدنيا و نحن نرغب فيها، زاهدكم راغب، و عالمكم جاهل، و مجتهدكم مقصر.
و قال أيضا: أخ لك كلما لقيك ذكرك بنصيبك من اللَّه، و أخبرك بعيب فيك، أحب إليك، و خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا. و قال أيضا: لا تكن وليا للَّه في العلانية و عدوه في السر و لا تكن عدو إبليس و النفس و الشهوات في العلانية و صديقهم في السر، و لا تكن ذا وجهين و ذا لسانين
[١] زيادة من المصرية.