البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٨ - ثم دخلت سنة تسع و تسعين
حبّذا رجعها يديها إليها* * * في يدي درعها تحل الازارا
فقال: لم تصب، هات يا مسلمة، فأنشده قول امرئ القيس:
و ما ذرفت عيناك إلا لتضربى* * * بسهميك في أعشار قلب مقتّل
فقال: كذب امرؤ القيس و لم يصب، إذا ذرفت عيناها بالوجد فما بقي إلا اللقاء، و إنما ينبغي للعاشق أن يغتضى [١] منها الجفاء و يكسوها المودة، ثم قال: أنا مؤجلكم في هذا البيت ثلاثة أيام فمن أتانى به فله حكمه، أي مهما طلب أعطيته، فنهضوا من عنده فبينما سليمان في موكب إذا هو بأعرابي يسوق إبله و هو يقول:
لو ضربوا بالسيف رأسي في مودتها* * * لمال يهوى سريعا نحوها راسى
فأمر سليمان بالأعرابي فاعتقل، ثم جاء إلى أبيه فقال: قد جئتك بما سألت، فقال: هات، فأنشده البيت فقال: أحسنت، و أنى لك هذا؟ فأخبره خبر الأعرابي، فقال: سل حاجتك و لا تنس صاحبك. فقال: يا أمير المؤمنين إنك عهدت بالأمر من بعدك للوليد، و إني أحب أن أكون ولىّ العهد من بعده، فأجابه إلى ذلك، و بعثه على الحج في إحدى و ثمانين، و أطلق له مائة ألف درهم، فأعطاها سليمان لذلك الأعرابي الّذي قال ذلك البيت من الشعر، فلما مات أبوه سنة ست و ثمانين و صارت الخلافة إلى أخيه الوليد، كان بين يديه كالوزير و المشير، و كان هو المستحث على عمارة جامع دمشق، فلما توفى أخوه الوليد يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست و تسعين، كان سليمان بالرملة، فلما أقبل تلقاه الأمراء و وجوه الناس، و قيل إنهم ساروا إليه إلى بيت المقدس فبايعوه هناك، و عزم على الاقامة بالقدس، و أتته الوفود إلى بيت المقدس، فلم يروا وفادة هناك، و كان يجلس في قبة في صحن المسجد مما يلي الصخرة من جهة الشمال، و تجلس أكابر الناس على الكراسي، و تقسم فيهم الأموال، ثم عزم على المجيء إلى دمشق. فدخلها و كمل عمارة الجامع.
و في أيامه جددت المقصورة و اتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز مستشارا و وزيرا، و قال له:
إنا قد ولينا ما ترى و ليس لنا علم بتدبيره، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به فليكتب، و كان من ذلك عزل نواب الحجاج و إخراج أهل السجون منها، و إطلاق الأسراء، و بدل الأعطية بالعراق، ورد الصلاة إلى ميقاتها الأول، بعد أن كانوا يؤخرونها إلى آخر وقتها، مع أمور حسنة كان يسمعها من عمر بن عبد العزيز، و أمر بغزو القسطنطينية فبعث إليها من أهل الشام و الجزيرة و الموصل في البر نحوا من مائة ألف و عشرين ألف مقاتل، و بعث من أهل مصر و إفريقية ألف مركب في البحر، عليهم عمر بن هبيرة، و على جماعة الناس كلهم أخوه مسلمة، و معه ابنه داود بن سليمان بن عبد الملك
[١] يغتضى الجفاء أي يغضى عنه. و لعله «ينتضى» بمعنى يخلع، في مقابل قوله «و يكسوها»