البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤ - عبد اللَّه بن عمر
يوم أحد، ثم كان أول مشاهده الخندق، و شهد مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثنتى عشرة غزوة، و روى عنه أحاديث كثيرة، و عن جماعة من الصحابة، و حدث عنه خلق من التابعين و جماعة من الصحابة، كان من نجباء الصحابة و فضلائهم و علمائهم. قال الواقدي و غيره: مات سنة أربع و سبعين و قيل قبلها بعشر سنين فاللَّه أعلم.
قال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود ثنا خالد بن نزار ثنا هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدريّ. قال: قلت يا رسول اللَّه أي الناس أشد بلاء؟ فقال: «النبيون قلت: ثم أي؟ قال ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد الا السترة- و في رواية- إلا العباءة أو نحوها، و إن أحدهم ليبتلى بالقمل حتى ينبذ القمل، و كان أحدهم بالبلاء أشد فرحا منه بالرخاء».
و قال قتيبة بن سعيد: ثنا الليث بن سعد عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبى سعيد الخدريّ: أن أهله شكوا إليه الحاجة فخرج إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يسأل لهم شيئا، فوافقه على المنبر و هو يقول: «أيها الناس قد آن لكم أن تستغنوا عن المسألة فإنه من يستعف يعفه اللَّه و من يستغن يغنه اللَّه، و الّذي نفس محمد بيده ما رزق اللَّه عبدا من رزق أوسع له من الصبر، و لئن أبيتم إلا أن تسألونى لأعطينكم ما وجدت». و قد رواه الطبراني عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد نحوه.
عبد اللَّه بن عمر
ابن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المكيّ ثم المدني أسلم قديما مع أبيه و لم يبلغ الحلم و هاجرا و عمره عشرة سنين، و قد استصغر يوم أحد، فلما كان يوم الخندق أجازه و هو ابن خمس عشرة سنة فشهدها و ما بعدها، و هو شقيق حفصة بنت عمر أم المؤمنين، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون، و كان عبد اللَّه بن عمر ربعة من الرجال آدم له جمة تضرب إلى منكبيه جسيما يخضب بالصفرة و يحفى شاربه، و كان يتوضأ لكل صلاة و يدخل الماء في أصول عينيه، و قد أراده عثمان على القضاء فأبى ذلك، و كذلك أبوه، و شهد اليرموك و القادسية و جلولاء و ما بينهما من وقائع الفرس، و شهد فتح مصر، و اختط بها دارا، و قدم البصرة و شهد عزو فارس و ورد المدائن مرارا و كان عمره يوم مات النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ثنتين و عشرين سنة، و كان إذا أعجبه شيء من ماله يقر به إلى اللَّه عز و جل، و كأن عبيده قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه، فيقال له: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا للَّه انخدعنا له، و كان له جارية يحبها كثيرا فأعتقها و زوجها لمولاه نافع، و قال: إن اللَّه تعالى يقول لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ و اشترى مرة بعيرا فأعجبه لما ركبه فقال: يا نافع أدخله في إبل الصدقة، و أعطاه ابن جعفر في نافع عشرة آلاف فقال: أو خيرا من ذلك؟ هو حر لوجه اللَّه، و اشترى مرة غلاما بأربعين ألفا و أعتقه فقال الغلام: