البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٨ - محمد بن على بن أبى طالب
محمد بن على بن أبى طالب
أبو القاسم و أبو عبد اللَّه أيضا، و هو المعروف بابن الحنفية، و كانت سوداء سندية من بنى حنيفة اسمها خولة. ولد محمد في خلافة عمر بن الخطاب، و وفد على معاوية و على عبد الملك بن مروان و قد صرع مروان يوم الجمل و قعد على صدره و أراد قتله فناشده مروان باللَّه و تذلل له فأطلقه، فلما وفد على عبد الملك ذكره بذلك فقال عفوا يا أمير المؤمنين فعفا عنه و أجزل له الجائزة، و كان محمد ابن على من سادات قريش، و من الشجعان المشهورين، و من الأقوياء المذكورين، و لما بويع لابن الزبير لم يبايعه، فجرى بينهما شر عظيم حتى هم ابن الزبير به و بأهله كما تقدم ذلك، فلما قتل ابن الزبير و استقر أمر عبد الملك و بايعه ابن عمر تابعه ابن الحنفية، و قدم المدينة فمات بها في هذه السنة و قيل في التي قبلها أو في التي بعدها، و دفن بالبقيع. و الرافضة يزعمون أنه بجبل رضوى، و أنه حي يرزق، و هم ينتظرونه، و قد قال كثير عزة في ذلك
ألا إن الأئمة من قريش* * * ولاة الحق أربعة سواء
على و الثلاثة من بنيه* * * هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر* * * و سبط غيبته كربلاء
و سبط لا تراه العين حتى* * * تعود الخيل يقدمها لواء
و لما هم ابن الزبير بابن الحنفية كتب ابن الحنفية إلى شيعتهم بالكوفة مع أبى الطفيل واثلة بن الأسقع و على الكوفة المختار بن عبيد اللَّه، و قد كان ابن الزبير جمع لهم حطبا كثيرا على أبوابهم ليحرقهم بالنار، فلما وصل كتاب ابن الحنفية إلى المختار، و قد كان المختار يدعو إليه و يسميه المهدي، فبعث المختار أبا عبد اللَّه الجدلي في أربعة آلاف فاستنقذوا بنى هاشم من يدي ابن الزبير. و خرج معهم ابن عباس فمات بالطائف و بقي ابن الحنفية في شيعته، فأمره ابن الزبير أن يخرج عنه فخرج إلى أرض الشام بأصحابه و كانوا نحو سبعة آلاف، فلما وصل إلى أيلة كتب إليه عبد الملك: إما أن تبايعنى و إما أن تخرج من أرضى، فكتب إليه ابن الحنفية: أبايعك على أن تؤمّن أصحابى، قال نعم فقام ابن الحنفية في أصحابه فحمد اللَّه و أثنى عليه فقال: الحمد للَّه الّذي حقن دماءكم و أحرز دينكم فمن أحب منكم أن يأتى مأمنه إلى بلده محفوظا فليفعل، فرحل عنه الناس إلى بلادهم حتى بقي في سبعمائة رجل، فأحرم بعمرة و قلد هديا و سار نحو مكة، فلما أراد دخول الحرم بعث إليه ابن الزبير خيلا فمنعه أن يدخل، فأرسل إليه: إنا لم نأت لحرب و لا لقتال، دعنا ندخل حتى نقضي نسكنا ثم نخرج عنك، فأبى عليه و كان معه بدن قد قلدها فرجع إلى المدينة فأقام بها محرما حتى قدم الحجاج و قتل ابن الزبير. فكان ابن الحنفية في تلك المدة محرما، فلما سار الحجاج إلى العراق مضى ابن الحنفية إلى مكة و قضى نسكه