البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٦ - فتنة ابن الأشعث
هلك هلك، و إن نجا فلك، أنتم إذا ظفرتم كان ذلك زيادة في سلطانه، و إن هلكتم كنتم الأعداء البغضاء، ثم قال: اخلعوا عدو اللَّه الحجاج- و لم يذكر خلع عبد الملك- و بايعوا لأميركم عبد الرحمن ابن الأشعث فانى أشهدكم أنى أول خالع للحجاج. فقال الناس من كل جانب: خلعنا عدو اللَّه، و وثبوا إلى عبد الرحمن بن الأشعث فبايعوه عوضا عن الحجاج، و لم يذكروا خلع عبد الملك بن مروان، و بعث ابن الأشعث إلى رتبيل فصالحه على أنه إن ظفروا بالحجاج فلا خراج على رتبيل أبدا. ثم سار ابن الأشعث بالجنود الذين معه مقبلا من سجستان إلى الحجاج ليقاتله و يأخذ منه العراق، فلما توسطوا الطريق قالوا: إن خلعنا للحجاج خلع لابن مروان فخلعوهما و جددوا البيعة لابن الأشعث فبايعهم على كتاب اللَّه و سنة رسوله و خلع أئمة الضلالة و جهاد الملحدين، فإذا قالوا نعم بايعهم. فلما بلغ الحجاج ما صنعوا من خلعه و خلع ابن مروان، كتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك و يستعجله في بعثه الجنود إليه، و جاء الحجاج حتى نزل البصرة، و بلغ المهلب خبر ابن الأشعث، و كتب إليه يدعوه إلى ذلك فأبى عليه، و بعث بكتابه إلى الحجاج، و كتب المهلب إلى ابن الأشعث يقول له: إنك يا ابن الأشعث قد وضعت رجلك في ركاب طويل، ابق على أمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، انظر إلى نفسك فلا تهلكها، و دماء المسلمين فلا تسفكها، و الجماعة فلا تفرقها، و البيعة فلا تنكثها، فان قلت أخاف الناس على نفسي فاللَّه أحق أن تخافه من الناس، فلا تعرضها للَّه في سفك الدماء، أو استحلال محرم و السلام عليك. و كتب المهلب إلى الحجاج: أما بعد فان أهل العراق قد أقبلوا إليك مثل السيل المنحدر من علو ليس شيء يرده حتى ينتهى إلى قراره، و إن لأهل العراق شدة في أول مخرجهم، و صبابة إلى أبنائهم و نسائهم، فليس شيء يردهم حتى يصلوا إلى أهليهم و ينبسطوا إلى نسائهم و يشموا أولادهم. ثم واقعهم عندها فان اللَّه ناصرك عليهم إن شاء اللَّه. فلما قرأ الحجاج كتابه قال: فعل اللَّه به و فعل، لا و اللَّه ما لي نظر و لكن لابن عمه نصح. و لما وصل البريد بكتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ذلك ثم نزل عن سريره و بعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية فأقرأه كتاب الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين إن كان هذا الحدث من قبل خراسان فخفه، و إن كان من قبل سجستان فلا تخفه، ثم أخذ عبد الملك في تجهيز الجنود من الشام إلى العراق في نصرة الحجاج و تجهيزه في الخروج إلى ابن الأشعث، و عصى رأى المهلب فيما أشار به عليه، و كان في شوره النصح و الصدق، و جعلت كتب الحجاج لا تنقطع عن عبد الملك بخبر ابن الأشعث صباحا و مساء، أين نزل و من أين ارتحل، و أي الناس إليه أسرع. و جعل الناس يلتفون على ابن الأشعث من كل جانب، حتى قيل إنه سار معه ثلاثة و ثلاثون ألف فارس و مائة و عشرون ألف راجل، و خرج الحجاج في جنود الشام من البصرة نحو ابن الأشعث، فنزل تستر و قدم بين يديه مطهر بن حيي الكعبي