البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - أما الحسن
كلام الحسن و ابن سيرين و وهب بن منبه- كما ذكره بعد و كما سيأتي ذكر ترجمته في هذه الزيادة- فإنه قد اختصرها جدا و إن المؤلف أقدر و أوسع علما، فما ينبغي أن يخل ببعض كلامهم و حكمهم، فان النفوس مستشرفة إلى معرفة ذلك و النظر فيه، فان أقوال السلف لها موقع من القلوب، و المؤلف غالبا في التراجم يحيل على ما ذكره في التكميل الّذي صنفه في أسماء الرجال، و هذا الكتاب لم نقف عليه نحن و لا من سألناه عنه من العلماء، فانا قد سألنا عنه جماعة من أهل الفن فلم يذكر غير واحد أنه اطلع عليه، فكيف حال غيرهم.؟ و قد ذكرت في غالب التراجم زيادات على ما ذكره المؤلف مما وصلت إليه معرفتي و أطلعنا عليه، و لو كان عندي كتب لأشبعت القول في ذلك، إذ الحكمة هي ضالة المؤمن. و لعل أن يقف على هذا راغب في الآخرة، طالب ما عند اللَّه عز و جل فينتفع به أعظم مما ينتفع به من تراجم الخلف و الملوك و الأمراء، و إن كانت تلك أيضا نافعة لمتعير و مزدجر، فان ذكر أئمة العدل و الجور بعد موتهم فيها فضل أولئك، و غم هؤلاء، ليعلم الظالم أنه و إن مات لم يمت ما كان متلبسا به من الفساد و الظلم، بل هو مدون في الكتب عند العلماء. و كذلك أهل العدل و الصلاح و الخير، فان اللَّه قد قص في القرآن أخبار الملوك و الفراعنة و الكفار و المفسدين، تحذيرا من أحوالهم و ما كانوا يعملون، و قص أيضا أخبار الأتقياء و المحسنين و الأبرار و الأخيار و المؤمنين، للاقتداء و التأسي بهم و اللَّه سبحانه أعلم. فنقول و باللَّه التوفيق:
أما الحسن
فهو أبو سعيد البصري الامام الفقيه المشهور، أحد التابعين الكبار الأجلاء علما و عملا و إخلاصا فروى ابن أبى الدنيا عنه قال: كان الرجل يتعبد عشرين سنة لا يشعر به جاره، و أحدهم يصلى ليلة أو بعض ليلة فيصبح و قد استطال على جاره، و إن كان القوم ليجتمعون فيتذاكرون فتجيء الرجل عبرته فيردها ما استطاع، فان غلب قام عنهم. و قال الحسن: تنفس رجل عند عمر بن عبد العزيز فلكزه عمر- أو قال: لكمه- و قال: إن في هذا لفتنة. و قد ذكره ابن أبى الدنيا عن الحسن عن عمر بن الخطاب. و روى الطبراني عنه أنه قال: إن قوما ألهتهم أمانى المغفرة و رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا و ليست لهم أعمال صالحة، يقول أحدهم: إني لحسن الظن باللَّه، و أرجو رحمة اللَّه، و كذب، لو أحسن الظن باللَّه لأحسن العمل للَّه، و لو رجا رحمة اللَّه لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة من غير زاد و لا ماء أن يهلك. و روى ابن أبى الدنيا عنه قال: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، و اقذعوا هذه لأنفس فإنها تنزع إلى شر غاية.
و قال مالك بن دينار: قلت للحسن: ما عقوبة العالم إذا أحب الدنيا؟ قال: موت القلب، فإذا أحب الدنيا طلبها بعمل الآخرة، فعند ذلك ترحل عنه بركات العلم و يبقى عليه رسمه. و روى الفتنى.
عن أبيه قال: عاد الحسن عليلا فوجده قد شفى من علته، فقال: أيها الرجل إن اللَّه قد ذكرك