البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢١ - ثم دخلت سنة تسع عشرة و مائة
طالب، فسماه أبوه باسمه، و كناه بكنيته، و قيل إنه ولد في حياة على و هو الّذي سماه و كناه و لقبه بأبي الأملاك، فلما وفد على عبد الملك بن مروان أجلسه معه على السرير و سأله عن اسمه و كنيته فأخبره فقال له: أ لك ولد؟ قال: نعم ولد لي ولد سميته محمدا، فقال له: أنت أبو محمد، و أجزل عطيته، و أحسن إليه. و قد كان على هذا في غاية العبادة و الزهادة و العلم و العمل و حسن الشكل و العدالة و الثقة كان يصلى في كل يوم و ليلة ألف ركعة، قال عمرو بن على الفلاس: كان من خيار الناس، و كانت وفاته بالجهمة من أرض البلقاء في هذه السنة، و قد قارب الثمانين. و قد ذكر ابن خلكان أنه تزوج لبابة بنت عبد اللَّه بن جعفر، التي كانت تحت عبد الملك بن مروان، فطلقها، و كان سبب طلاقه إياها أنه عض تفاحة ثم رمى بها إليها فأخذت السكين فحزت من التفاحة ما مس فمه منها، فقال: و لم تفعلين هذا؟ فقالت: أزيل الأذى عنها- و ذلك لأن عبد الملك كان أبخر- فطلقها عبد الملك، فلما تزوجها على بن عبد اللَّه بن عباس هذا نقم عليه الوليد بن عبد الملك لأجل ذلك، فضربه بالسياط، و قال إنما أردت أن تذل بنيها من الخلفاء، و ضربه مرة ثانية لأنه اشتهر عنه أنه قال: الخلافة صائرة إلى بيته، فوقع الأمر كذلك. و ذكر المبرد أنه دخل على هشام بن عبد الملك و معه ابناه السفاح و المنصور و هما صغيران، فأكرمه هشام و أدنى مجلسه، و أطلق له مائة و ثلاثين ألفا، و جعل على بن عبد اللَّه يوصيه بابنيه خيرا، و يقول: إنهما سيليان الأمر، فجعل هشام يتعجب من سلامة باطنه و ينسبه في ذلك إلى الحمق، فوقع الأمر كما قال. قالوا: و قد كان على في غاية الجمال و تمام القامة، كان بين الناس كأنه راكب، و كان إلى منكب أبيه عبد اللَّه، و كان عبد اللَّه إلى منكب أبيه العباس، و كان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب، و قد بايع كثير من الناس لابنه محمد بالخلافة قبل أن يموت على هذا قبل هذه السنة بسنوات، و لكن لم يظهر أمره حتى مات فقام بالأمر من بعده ولده عبد اللَّه أبو العباس السفاح، و كان ظهوره في سنة اثنتين و ثلاثين كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى عمرو بن شعيب، و عبادة بن نسىّ، و أبو صخرة جامع بن شداد، و أبو عياش المعافري.
ثم دخلت سنة تسع عشرة و مائة
ففيها غزا الوليد بن القعقاع بلاد الروم. و فيها قتل أسد بن عبد اللَّه القسري ملك الترك الأعظم خاقان، و كان سبب ذلك أن أسد بن عبد اللَّه أمير خراسان عمل نيابة عن أخيه خالد بن عبد اللَّه على العراق، ثم سار بجيوشه إلى مدينة ختّل فافتتحها، و تفرقت في أرضها جنوده يقتلون و يأسرون و يغنمون، فجاءت العيون إلى ملك الترك خاقان أن جيش أسد قد تفرق في بلاد ختّل، فاغتنم خاقان هذه الفرصة فركب من فوره في جنوده قاصدا إلى أسد، و تزود خاقان و أصحابه سلاحا كثيرا، و قديدا و ملحا، و ساروا في حنق عظيم، و جاء إلى أسد فأعلموه بقصد خاقان له في جيش عظيم