البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٣ - ثم دخلت سنة تسع عشرة و مائة
بما فيه من الأمتعة العظيمة، و الأواني من الذهب و الفضة، و النساء و الصبيان، من الأتراك و من معهم من الأسارى من المسلمات و غيرهم، مما لا يحد و لا يوصف لكثرته و عظمه و قيمته و حسنه. غير أن خاقان لما أحس بالهلاك ضرب امرأته بخنجر فقتلها، فوصل المسلمون إلى المعسكر و هي في آخر رمق تتحرك، و وجدوا قدورهم تغلي بأطعماتهم، و هرب خاقان بمن معه حتى دخل بعض المدن فتحصن بها، فاتفق أنه لعب بالنرد مع بعض الأمراء فغلبه الأمير فتوعده خاقان بقطع اليد، فحنق عليه ذلك الأمير ثم عمل على قتله فقتله، و تفرقت الأتراك يعدو بعضهم على بعض، و ينهب بعضهم بعضا، و بعث أسد إلى أخيه خالد يعلمه بما وقع من النصر و الظفر بخاقان، و بعث إليه بطبول خاقان- و كانت كبارا لها أصوات كالرعد- و بشيء كثير من حواصله و أمتعته، فأوفدها خالد إلى أمير المؤمنين هشام ففرح بذلك فرحا شديدا، و أطلق للرسل أموالا جزيلة كثيرة من بيت المال. و قد قال بعض الشعراء في أسد يمدحه على ذلك:-
لو سرت في الأرض تقيس الأرضا* * * تقيس منها طولها و العرضا
لم تلق خيرا إمرة و نقضا* * * من الأمير أسد و أمضى
افضى إلينا الخير حتى افضا* * * و جمع الشمل و كان ارفضا
ما فاته خاقان إلا ركضا* * * قد فض من جموعه ما فضا
يا ابن شريح قد لقيت حمضا* * * حمضا به تشفى صداع المرضى
و فيها قتل خالد بن عبد اللَّه القسري المغيرة بن سعيد و جماعة من أصحابه الذين تابعوه على باطله، و كان هذا الرجل ساحرا فاجرا شيعيا خبيثا، قال ابن جرير: ثنا ابن حميد ثنا جرير عن الأعمش قال: سمعت المغيرة بن سعيد يقول: لو أراد أن يحيى عادا و ثمودا و قرونا بين ذلك لأحياهم.
قال الأعمش: و كان المغيرة هذا يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى مثل الجراد على القبور، أو نحو هذا من الكلام. و ذكر ابن جرير له غير ذلك من الأشياء التي تدل على سحره و فجوره. و لما بلغ خالدا أمره أمر بإحضاره فجيء به في ستة نفر أو سبعة نفر، فأمر خالد فأبرز سريره إلى المسجد، و أمر بإحضار أطناب القصب و النفط فصب فوقها، و أمر المغيرة أن يحتضن طنبا منها، فامتنع فضرب حتى احتضن منها طنبا واحدا و صب فوق رأسه النفط، ثم أضرم بالنار. و كذلك فعل ببقية أصحابه.
و في هذه السنة خرج رجل يقال له بهلول بن بشر و يلقب بكثارة، و اتبعه جماعات من الخوارج دون المائة، و قصدوا قتل خالد القسري، فبعث إليهم البعوث فكسروا الجيوش و استفحل أمرهم جدا لشجاعتهم و جلدهم، و قلة نصح من يقاتلهم من الجيوش، فردوا العساكر من الألوف المؤلفة، ذوات الأسلحة و الخيل المسومة، هذا و هم لم يبلغوا المائة، ثم إنهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة