البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٤ - و هذه ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق و ذكر وفاته في هذا العام
و قد ذكر اللَّه اللوطية و جعل ذلك آيات للمتوسمين فقال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ، فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ و ما بعدها. و قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ، وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ، وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ و نحو ذلك من الآيات و الأحاديث. فاللوطى قد عكس الفطرة، و قلب الأمر، فأتى ذكرا فقلب اللَّه قلبه، و عكس عليه أمره، بعد صلاحه و فلاحه، إلا من تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى و خصال التائب قد ذكرها اللَّه في آخر سورة براءة، فقال: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ فلا بد للتائب من العبادة و الاشتغال بالعمل للآخرة، و إلا فالنفس همامة متحركة، إن لم تشغلها بالحق و إلا شغلتك بالباطل، فلا بد للتائب من أن يبدل تلك الأوقات التي مرت له في المعاصي بأوقات الطاعات، و أن يتدارك ما فرط فيها و أن يبدل تلك الخطوات بخطوات إلى الخير، و يحفظ لحظاته و خطواته، و لفظاته و خطراته. قال رجل للجنيد: أوصني، قال: توبة تحل الإصرار، و خوف يزيل العزة، و رجاء مزعج إلى طرق الخيرات، و مراقبة اللَّه في خواطر القلب. فهذه صفات التائب. ثم قال اللَّه تعالى: الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآية فهذه خصال التائب كما قال تعالى: التَّائِبُونَ فكأن قائلا يقول: من هم؟ قيل هم العابدون السائحون إلى آخر الآية، و إلا فكل تائب لم يتلبس بعد توبته بما يقربه إلى من تاب إليه فهو في بعد و إدبار، لا في قرب و إقبال، كما يفعل من اغتر باللَّه من المعاصي المحظورات، و يدع الطاعات، فان ترك الطاعات و فعل المعاصي أشد و أعظم من ارتكاب المحرمات بالشهوة النفسية. فالتائب هو من اتقى المحذورات، و فعل المأمورات، و صبر على المقدورات، و اللَّه سبحانه و تعالى هو المعين الموفق، و هو عليم بذات الصدور] [١] قالوا: و كان الوليد لحانا كما جاء من غير وجه أن الوليد خطب يوما فقرأ في خطبته (يا ليتها كانت القاضية) فضم التاء من ليتها، فقال عمر بن عبد العزيز: يا ليتها كانت عليك و أراحنا اللَّه منك، و كان يقول: يا أهل المدينة. و قال عبد الملك يوما لرجل من قريش: إنك لرجل لو لا أنك تلحن، فقال: و هذا ابنك الوليد يلحن، فقال: لكن ابني سليمان لا يلحن، فقال الرجل: و أخى أبو فلان لا يلحن. و قال ابن جرير: حدثني عمر ثنا على- يعنى ابن محمد المدائني- قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد بدمشق، و وضع المنائر، و أعطى الناس، و أعطى المجذومين، و قال لهم: لا تسألوا الناس، و أعطى كل مقعد خادما، و كل ضرير قائدا، و فتح في ولايته فتوحات كثيرة عظاما، و كان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم، ففتح الهند و السند
[١] زيادة من المصرية.