البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤ - شريح بن الحارث
قد سمع القاضي ما قلتما ثم قضى* * * و على القاضي جهد إن غفل
قال للجدة بيني بالصبي* * * و خذي ابنك من ذات العلل
إنها لو صبرت كان لها* * * قبل دعوى ما تبتغيه للبدل
فقضى به للجدة. و قال عبد الرزاق: حدثنا معمر بن عون عن إبراهيم عن شريح أنه قضى على رجل باعترافه فقال: يا أبا أمية قضيت عليّ بغير بينة، فقال شريح: أخبرنى ابن أخت خالتك. و قال على بن الجعد: أنبأنا المسعودي عن أبى حصين قال: سئل شريح عن شاة تأكل الذباب فقال: علف مجان و لبن طيب. و قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبى حيان التيمي حدثنا أبى قال:
كان شريح إذا مات لأهله سنور أمر بها فألقيت في جوف داره، و لم يكن له مشعب «شارع» إلا في جوف داره يفعل ذلك اتقاء أن تؤذى المسلمين- يعنى أنه يلقى السنور في جوف داره لئلا تؤذى بنتن ريحها المسلمين-، و كانت مياذيب أسطحة داره في جوف الدار لئلا يؤذى بها المارة من المسلمين.
و قال الرياشي: قال رجل لشريح: إن شأنك لشوين. فقال له شريح: أراك تعرف نعمة اللَّه على غيرك و تجهلها في نفسك. و قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى تغلب النحويّ حدثنا عبد اللَّه بن شبيب قال حدثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن زياد بن سمعان. قال: كتب شريح إلى أخ له هرب من الطاعون: أما بعد فإنك و المكان الّذي أنت فيه و المكان الّذي خرجت منه بعين من لا يعجزه من طلب، و لا يفوته من هرب، و المكان الّذي خلفته لم يعد امرا لكمامه و من تظلمه أيامه، و إنك و إياهم لعلى بساط واحد، و إن المنتجع من ذي قدرة لقريب.
و قال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا على بن مسهر عن الشيباني عن الشعبي عن شريح أن عمر كتب إليه: إذا جاءك الشيء من كتاب اللَّه فاقض به و لا يلفتنك عنه رجاء ما ليس في كتاب اللَّه، و انظر في سنة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاقض بها، فان جاءك ما ليس في كتاب اللَّه و لا في سنة رسوله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، و في رواية: فانظر فيما قضى به الصالحون، فان لم يكن فان شئت فتقدم و إن شئت فتأخر، و ما أرى التأخر إلا خيرا، و السلام.
و قال شريح: كنت مع على في سوق الكوفة فانتهى إلى قاص يقص فوقف عليه و قال: أيها القاص! تقص و نحن قريبو العهد؟ أما إني سائلك فان تجب فما سألتك و إلا أدبتك،
فقال القاص:
سل يا أمير المؤمنين عما شئت، فقال على: ما ثبات الايمان و زواله؟ قال القاص: ثبات الايمان الورع و زواله الطمع. قال على: فذلك فقص.
قيل إن هذا القاص هو نوف البكالي. و قال رجل لشريح:
إنك لتذكر النعمة في غيرك و تنساها في نفسك، قال: إني و اللَّه لأحسدك على ما أرى بك. قال:
ما نفعك اللَّه بهذا و لا ضرني.