البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٨ - ذكر سبب مقتل قتيبة بن مسلم (رحمه اللَّه)
و فتح من البلاد و الأقاليم الكبار و المدن العظام شيئا كثيرا كما تقدم ذلك مفصلا مبينا، و اللَّه سبحانه لا يضيع سعيه و لا يخيب تعبه و جهاده.
و لكن زل زلة كان فيها حتفه، و فعل فعلة رغم فيها أنفه، و خلع الطاعة فبادرت المنية إليه، و فارق الجماعة فمات ميتة جاهلية، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر اللَّه به سيئاته، و يضاعف به حسناته، و اللَّه يسامحه و يعفو عنه، و يتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء، و كانت وفاته بفرغانة من أقصى بلاد خراسان، في ذي الحجة من هذه السنة، و له من العمر ثمان و أربعون سنة، و كان أبوه أبو صالح مسلم فيمن قتل مع مصعب بن الزبير، و كانت ولايته على خراسان عشر سنين، و استفاد و أفاد فيها خيرا كثيرا، و قد رثاه عبد الرحمن بن جمانة الباهلي فقال:-
كان أبا حفص قتيبة لم يسر* * * بجيش إلى جيش و لم يعل منبرا
و لم تخفق الرايات و القوم حوله* * * وقوف و لم يشهد له الناس عسكرا
دعته المنايا فاستجاب لربه* * * و راح إلى الجنات عفا مطهرا
فما رزئ الإسلام بعد محمد* * * بمثل أبى حفص فبكّيه عبهرا
و لقد بالغ هذا الشاعر في بيته الأخير. و عبهر ولد له. و قال الطرماح في هذه الوقعة التي قتل فيها على يد وكيع بن سود:
لو لا فوارس مذحج ابنة مذحج* * * و الأزد زعزع و استبيح العسكر
و تقطعت بهم البلاد و لم يؤب* * * منهم إلى أهل العراق مخبر
و استضلعت عقد الجماعة و ازدرى* * * أمر الخليفة و استحل المنكر
قوم همو قتلوا قتيبة عنوة* * * و الخيل جامحة عليها العثير
بالمرج مرج الصين حيث تبينت* * * مضر العراق من الأعزّ الأكبر
إذ حالفت جزعا ربيعة كلها* * * و تفرقت مضر و من يتمضر
و تقدمت أزد العراق و مذحج* * * للموت يجمعها أبوها الأكبر
قحطان تضرب رأس كل مدجج* * * تحمى بصائرهن إذ لا تبصر
و الأزد تعلم أن تحت لوائها* * * ملكا قراسية و موت أحمر
فبعزنا نصر النبيّ محمد* * * و بنا تثبت في دمشق المنبر
و قد بسط ابن جرير هذه القصيدة بسطا كثيرا و ذكر أشعارا كثيرة جدا. و قال ابن خلكان و قال جرير يرثى قتيبة بن مسلم (رحمه اللَّه) و سامحه، و أكرم مثواه و عفا عنه:
ندمتم على قتل الأمير ابن مسلم* * * و أنتم إذا لاقيتم اللَّه أندم