البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٨ - و هذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي و ذكر وفاته
قال الشافعيّ: سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة دخل على امرأته و هي تتخلل- أي تخلل أسنانها لتخرج ما بينها من أذى- و كان ذلك في أول النهار، فقال: و اللَّه لئن كنت باكرت الغذاء إنك لرعينة دنية، و إن كان الّذي تخللين منه شيء بقي في فيك من البارحة إنك لقذرة، فطلقها فقالت: و اللَّه ما كان شيء مما ذكرت، و لكنني باكرت ما تباكره الحرة من السواك، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لأخرجها. فقال المغيرة ليوسف أبى الحجاج: تزوجها فإنها لخليقة بأن تأتى برجل يسود، فتزوجها يوسف أبو الحجاج. قال الشافعيّ: فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم: ما أسرع ما ألقحت بالمبير.
قال ابن خلكان: و اسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، و كان زوجها الحارث ابن كلدة الثقفي طبيب العرب، و ذكر عنه هذه الحكاية في السواك. و ذكر صاحب العقد أن الحجاج كان هو و أبوه يعلمان الغلمان بالطائف، ثم قدم دمشق فكان عند روح بن زنباع وزير عبد الملك، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله و لا يرحلون لرحيله، فقال روح: عندي رجل توليه ذلك، فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش، فكان لا يتأخر أحد في النزول و الرحيل، حتى اجتاز إلى فسطاط روح بن زنباع و هم يأكلون فضربهم و طوف بهم و أحرق الفسطاط، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك، فقال للحجاج: لم صنعت هذا؟ فقال: لم أفعله إنما فعله أنت، فان يدي يدك، و سوطي سوطك، و ما ضرك إذا أعطيت روحا فسطاطين بدل فسطاطه، و بدل الغلام غلامين، و لا تكسرنى في الّذي و ليتني؟ ففعل ذلك و تقدم الحجاج عنده. قال: و بنى واسط في سنة أربع و ثمانين، و فرغ منها في سنة ست و ثمانين، و قيل قبل ذلك. قال: و في أيامه نقطت المصاحف، و ذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولا يسمى كليبا، ثم سمى الحجاج. و ذكر أنه ولد و لا مخرج له حتى فتق له مخرج، و أنه لم يرتضع أياما حتى سقوه دم جدي ثم دم سالح و لطخ وجهه بدمه فارتضع، و كانت فيه شهامة و حب لسفك الدماء، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الّذي لطخ به وجهه، و يقال إن أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط، و قيل إنها أم أبيه و اللَّه أعلم. و كانت فيه شهامة عظيمة، و في سيفه رهق، و كان كثير قتل النفوس التي حرمها اللَّه بأدنى شبهة، و كان يغضب غضب الملوك، و كان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه، و كان زياد يتشبه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضا، و لا سواء و لا قريب. و قد ذكر ابن عساكر في ترجمة سليم بن عنز التجيبي قاضى مصر، و كان من كبار التابعين.
و كان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، و كان من الزهادة و العبادة على جانب عظيم، و كان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة و غيرها، و المقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها فاجتاز بهما سليم بن عنز هذا فنهض إليه أبو