البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٥ - و أما الفرزدق
عنز، فاستدعاه فنهض و اللبن يسيل على لحيته، فقال جرير للذي سأله: أتبصر هذا؟ قال: نعم، قال:
أ تعرفه؟ قال: لا، قال: هذا أبى، و إنما يشرب من ضرع العنز لئلا يحلبها فيسمع جيرانه حس الحلب فيطلبوا منه لبنا، فأشعر الناس من فاخر بهذا ثمانين شاعرا فغلبهم، و قد كان بين جرير و الفرزدق مقاولات و مهاجاة كثيرة جدا يطول ذكرها، و قد مات في سنة عشر و مائة، قاله خليفة بن خياط و غير واحد، قال خليفة: مات الفرزدق و جرير بعده بأشهر، و قال الصولي: ماتا في سنة إحدى عشرة و مائة، و مات الفرزدق قبل جرير بأربعين يوما، و قال الكريمي عن الأصمعي عن أبيه قال: رأى رجل جريرا في المنام بعد موته فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي، فقيل: بما ذا؟ قال بتكبيرة كبرتها بالبادية، قيل له: فما فعل الفرزدق؟ قال أيهات أهلكه قذف المحصنات. قال الأصمعي لم يدعه في الحياة و لا في الممات
و أما الفرزدق
و اسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن حنظلة بن زيد بن مناة بن مر بن أد بن طابخة أبو فراس بن أبى خطل التميمي البصري الشاعر المعروف بالفرزدق، و جده صعصعة بن ناجية صحابى، وفد إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان يحيى الموءودة في الجاهلية،
حدث الفرزدق عن على أنه ورد مع أبيه عليه، فقال من هذا؟ قال ابني و هو شاعر، قال علمه القراءة فهو خير له من الشعر.
و سمع الفرزدق الحسين بن على و رآه و هو ذاهب إلى العراق و أبا هريرة و أبا سعيد الخدريّ و عرفجة بن أسعد، و زرارة بن كرب، و الطرماح بن عدي الشاعر، و روى عنه خالد الحذاء و مروان الأصغر و حجاج بن حجاج الأحول، و جماعة، و قد وفد على معاوية يطلب ميراث عنه الحباب، و على الوليد بن عبد الملك و على أخيه، و لم يصح ذلك،
و قال أشعث بن عبد اللَّه عن الفرزدق قال نظر أبو هريرة إلى قدمي فقال: يا فرزدق إني أرى قدميك صغيرين فاطلب لهما موضعا في الجنة، فقلت: إن ذنوبي كثيرة، فقال: لا بأس فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها».
و قال معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال: دخلت على الفرزدق فتحرك فإذا في رجله قيد، فقلت: ما هذا؟ فقال:
حلفت أن لا أنزعه حتى أحفظ القرآن. و قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت بدويا أقام بالحضر إلا فسد لسانه إلا رؤبة بن العجاج و الفرزدق فإنهما زادا على طول الاقامة جدة و حدة، و قال راويته أبو شفعل طلق الفرزدق امرأته النوار ثلاثا ثم جاء فأشهد على ذلك الحسن البصري، ثم ندم على طلاقها و إشهاده الحسن على ذلك فأنشأ يقول:-
فلو أنى ملكت يدي و قلبي* * * لكان عليّ للقدر الخيار