البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - فصل
عصى اللَّه عز و جل مائتي سنة، ثم مات فأخذوا برجله فألقوه على مزبلة، فأوحى اللَّه إلى موسى: أن صل عليه، فقال: يا رب إن بنى إسرائيل شهدوا أنه قد عصاك مائتي سنة، قال اللَّه له: نعم هكذا كان، إلا أنه كان كلما نشر التوراة و رأى أسم محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) قبّله و وضعه على عينيه و صلى عليه، فشكرت ذلك له فغفرت له ذنوبه و زوجته سبعين حوراء. كذا روى و فيه علل، و لا يصح مثله، و في إسناده غرابة و في متنه نكارة شديدة. و روى ابن إدريس عن أبيه عن وهب قال: قال موسى: يا رب احبس عنى كلام الناس، فقال اللَّه له: يا موسى ما فعلت هذا بنفسي، و قال لما دعي يوسف إلى الملك وقف بالباب و قال: حسبي ديني من دنياي، حسبي ربى من خلقه، عز جارك و جل ثناؤك، و لا إله غيرك ثم دخل على الملك، فلما نظر إليه الملك نزل عن سريره و خر له ساجدا ثم أقعده الملك معه على السرير، و قال: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ فقال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ حفيظ بهذه السنين و ما استودعتني فيها، عليم بلغة من يأتينى.
و قال الإمام أحمد: حدثنا منذر بن النعمان الأفطس أنه سمع وهبا يقول: لما أمر اللَّه الحوت أن لا يضره و لا يكلمه- يعنى يونس- قال: فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال: من العابدين قبل ذلك، فذكره اللَّه بعبادته المتقدمة، فلما خرج من البحر نام فأنبت اللَّه شجرة من يقطين- و هو الدباء- فلما رآها قد أظلته و رأى خضرتها فأعجبته، ثم نام فاستيقظ فإذا هي قد يبست، فجعل يتحزن عليها، فقيل له: أنت لم تخلق و لم تسق و لم تنبت و تحزن عليها، و أنا الّذي خلقت مائة ألف من النار أو يزيدون ثم رحمتهم فشق ذلك عليك.
و قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد الغساني حدثنا رباح حدثني عبد الملك بن عبد المجيد ابن خشك عن وهب قال: لما أمر نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين، قال: يا رب كيف أصنع بالأسد و البقر؟ و كيف أصنع بالعناق و الذئب؟ و كيف أصنع بالحمام و الهر؟ قال: من ألقى بينهم العداوة؟ قال: أنت يا رب، قال: فانى أؤلف بينهم حتى لا يتضررون.
و قال وهب لعطاء الخراساني: ويحك يا عطاء، أ لم أخبر أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك و أبناء الدنيا، و أبواب الأمراء؟ ويحك يا عطاء، أ تأتي من يغلق عنك بابه، و يظهر لك فقره، و يوارى عنك غناه، و تترك باب من يقول:ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ؟ ويحك يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك فأوهى ما في الدنيا يكفيك، و إن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيء يكفيك، ويحك يا عطاء، إنما بطنك بحر من البحور، و واد من الأودية، لا يملؤه شيء إلا التراب.
و سئل وهب عن رجلين يصليان، أحدهما أطول قنوتا و صمتا، و الآخر أطول سجودا، فأيهما أفضل؟ فقال: أنصحهما للَّه عز و جل. و قال: من خصال المنافق أن يحب الحمد و يكره الذم، أي