البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٨ - فصل
عليه جعلت له المخرج من ذلك، و إن عبدي إذا عصاني قطعت يديه من أبواب السماء، و جعلته في الهواء فلا يمتنع من شيء أراده من خلقي. و قال ابن المبارك أيضا: حدثنا بكار بن عبد اللَّه قال:
سمعت وهب بن منبه يقول: قال اللَّه تعالى فيما يعيب به أحبار بنى إسرائيل: تفقهون لغير الدين، و تتعلمون لغير العمل، و تبتاعون الدنيا بعمل الآخرة، و تلبسون جلود الضأن، و تحملون نفس الذباب، و تتغذون الغذاء من شرابكم، و تبتلعون أمثال الجبال من الحرام، و تثقلون الدين على الناس أمثال الجبال، ثم لا تعينوهم برفع الخناصر، تطيلون الصلاة و تبيضون الثياب، تنتقصون بذلك مال اليتيم و الأرملة، فبعزتي حلفت لأضربنكم بفتنة يضل فيها رأى ذي الرأى و حكمة الحكيم.
و قال الطبراني: حدثنا عبد اللَّه بن محمد الصنعاني حدثنا همام بن مسلمة حدثنا غوث بن جابر حدثنا عقيل بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن اللَّه ليس يحمد أحدا على طاعة، و لا ينال أحد من اللَّه خيرا إلا برحمته، و ليس يرجو اللَّه خير الناس و لا يخاف شرهم، و لا يعطف اللَّه على الناس إلا برحمته إياهم، إن مكروا به أباد مكرهم، و إن خادعوه رد عليهم خداعهم، و إن كاذبوه كذب بهم، و إن أدبر و اقطع دابرهم، و إن أقبلوا قبل منهم و لا يقبل منهم شيئا من حيلة، و لا مكر و لا خداع و لا سخط و لا مشادة، و إنما يأتى بالخير من اللَّه تعالى رحمته، و من لم يبتغ الخير من قبل رحمته لا يجد بابا غير ذلك يدخل منه، فان اللَّه تعالى لا ينال الخير منه إلا بطاعته، و لا يعطف اللَّه على الناس شيء إلا تعبدهم له، و تضرعهم إليه حتى يرحمهم، فإذا رحمهم استخرجت رحمته منه حاجتهم، و ليس ينال الخير من اللَّه من وجه غير ذلك، و ليس إلى رحمة اللَّه سبيل تؤتى من قبله إلا تعبد العباد له و تضرعهم إليه، فان رحمة اللَّه عز و جل باب كل خير يبتغى من قبله، و إن مفتاح ذلك الباب التضرع إلى اللَّه عز و جل و التعبد له، فمن ترك المفتاح لم يفتح له، و من جاء بالمفتاح فتح له به، و كيف يفتح الباب بغير مفتاح، و للَّه خزائن الخير كله، و باب خزائن اللَّه رحمته، و مفتاح رحمة اللَّه التذلل و التضرع و الافتقار إلى اللَّه، فمن حفظ ذلك المفتاح فتحت له الخزائن و دخل، فله فيها ما تشتهي الأنفس و تلذ الأعين و فيها ما تشاءون و ما تدعون في مقام أمين، لا يحولون عنه و لا يخافون و لا ينصبون و لا يهرمون و لا يفتقرون و لا يموتون، في نعيم مقيم، و أجر عظيم، و ثواب كريم، نزلا من غفور رحيم.
و قال سفيان بن عيينة: قال وهب: أعون الأخلاق على الدين الزهادة في الدنيا، و أسرعها ردا اتباع الهوى و حب المال و الشرف، و من حب المال و الشرف تنتهك المحارم، و من انتهاك المحارم يغضب الرب، و غضب اللَّه ليس له دواء. و قال: يقول اللَّه تعالى في بعض كتبه يعتب به بنى إسرائيل: إني إذا أطعت رضيت، و إذا رضيت باركت، و ليس لبركتي نهاية. و إذا عصيت غضبت و إذا غضبت لعنت، و إن اللعنة منى تبلغ السابع من الولد. و قال: كان في بنى إسرائيل رجل