البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٥ - سنة عشرين و مائة من الهجرة
فكسره و قتله، و أنه يفرح بما يفد إليه من الأموال، و هو بما خرج من يده أفرح و أشد سرورا، فأثنى عليه أسد و أجلسه، ثم فرق أسد جميع تلك الهدايا و الأموال و ما هناك أجمع على الأمراء و الأكابر بين يديه، حتى لم يبق منه شيء، ثم قام من مجلسه و هو عليل من تلك الدبيلة، ثم أفاق إفاقة و جيء بهدية كمثرى فجعل يفرقها على الحاضرين واحدة واحدة، فألقى إلى دهقان خراسان واحدة فانفجرت دبيلته و كان فيها حتفه، و استخلف على عمله جعفر بن حنظلة البهراني، فمكث أميرا أربعة أشهر حتى جاء عهد نصر بن سيار في رجب منها، فعلى هذا تكون وفاة أسد في صفر من هذه السنة، و قد قال فيه ابن عرس العبديّ يرثيه:
نعى أسد بن عبد اللَّه ناع* * * فريع القلب للملك المطاع
ببلخ وافق المقدار يسرى* * * و ما لقضاء ربك من دفاع
فجودي عين بالعبرات سحا* * * أ لم يحزنك تفريق الجماع
أتاه حمامه في جوف ضيع* * * و كم بالضيع من بطال شجاع
أتاه حمامه في جوف صيغ* * * و كم بالصيغ من بطل شجاع
كتائب قد يجيبون المنادي* * * على جرد مسومة سراع
سقيت الغيث إنك كنت غيثا* * * مريعا عند مرتاد النجاع
و فيها عزل هشام خالد بن عبد اللَّه القسري عن نيابة العراق، و ذلك أنه انحصر منه لما كان يبلغه من إطلاق عبارة فيه، و أنه كان يقول عنه ابن الحمقاء، و كتب إليه كتابا فيه غلظة، فرد عليه هشام ردا عنيفا، و يقال إنه حسده على سعة ما حصل له من الأموال و الحواصل و الغلات، حتى قيل إنه كان دخله في كل سنة ثلاثة عشر ألف ألف دينار، و قيل درهم، و لولده يزيد بن خالد عشرة آلاف ألف، و قيل إنه وفد إليه رجل من ألزام أمير المؤمنين من قريش يقال له ابن عمرو، فلم يرحب به و لم يعبأ به، فكتب إليه هشام يعنفه و يبكته على ذلك، و أنه حال وصول هذا الكتاب إليه يقوم من فوره بمن حوله من أهل مجلسه فينطلق على قدميه حتى يأتى باب ابن عمرو صاغرا ذليلا مستأذنا عليه، متنصلا إليه مما وقع، فأن أذن لك و إلا فقف على بابه حولا غير متحلل من مكانك و لا زائل، ثم أمرك إليه إن شاء عزلك و إن شاء أبقاك، و إن شاء انتصر، و إن شاء عفا. و كتب إلى ابن عمرو يعلمه بما كتب إلى خالد، و أمره إن وقف بين يديه أن يضربه عشرين سوطا على رأسه، إن رأى ذلك مصلحة. ثم إن هشاما عزل خالدا و أخفى ذلك، و بعث البريد إلى نائبة على اليمن و هو يوسف ابن عمر فولاه إمرة العراق، و أمره بالمسير إليها و القدوم عليها في ثلاثين راكبا، فقدموا الكوفة وقت السحر، فدخلوها، فلما أذن المؤذن أمره يوسف بالإقامة: فقال: إلى أن يأتى الإمام- يعنى خالدا-