البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٤ - محمد بن سيرين
و مكاثرة أقرانه، و جفوة سلطانه؟ ثم قال: أيها الوارث: لا تخدعن كما خدع صويحبك بالأمس، جاءك هذا المال لم تتعب لك فيه يمين، و لم يعرق لك فيه جبين، جاءك ممن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، من حق منعه، ثم قال الحسن: إن يوم القيامة لذو حسرات، الرجل يجمع المال ثم يموت و يدعه لغيره فيرزقه اللَّه فيه الصلاح و الإنفاق في وجوه البر، فيجد ماله في ميزان غيره. و كان الحسن يتمثل بهذا البيت في أول النهار يقول:
و ما الدنيا بباقية لحي* * * و لا حي على الدنيا بباق
و بهذا البيت في آخر النهار:
يسر الفتى ما كان قدم من تقى* * * إذا عرف الداء الّذي هو قاتله
ولد الحسن في خلافة عمر بن الخطاب و أتى به إليه فدعا له و حنكه. و مات بالبصرة في سنة عشر و مائة و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
محمد بن سيرين
أبو بكر بن أبى عمرو الأنصاري، مولى أنس بن مالك النضري، كان أبوه من سبى عين التمر أسره في جملة السبي خالد بن الوليد فاشتراه أنس ثم كاتبه. و قد ولد له من الأخيار جماعة، محمد هذا، و أنس بن سيرين، و معبد، و يحيى، و حفصة، و كريمة، و كلهم تابعيون ثقات أجلاء، (رحمهم اللَّه تعالى).
قال البخاري: ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. و قال هشام بن حسان: هو أصدق من أدركت من البشر. و قد تقدم هذا كله فيما ذكره المؤلف.
كان ابن سيرين إذا ذكر عنده رجل بسوء ذكره بأحسن ما يعلم. و قال خلف بن هشام: كان محمد بن سيرين قد أعطى هديا و سمتا و خشوعا، و كان الناس إذا رأوه ذكروا اللَّه. و لما مات أنس بن مالك أوصى أن يغسله محمد بن سيرين- و كان محمد محبوسا- فقالوا له في ذلك، فقال: أنا محبوس فقالوا: قد استأذنا الأمير في إخراجك، قال: إن الأمير لم يحبسني، إنما حبسني من له الحق، فأذن له صاحب الحق فغسله. و قال يونس: ما عرض لمحمد بن سيرين أمران إلا أخذ بأوثقهما في دينه، و قال: إني لأعلم الذنب الّذي حملت بسببه، إني قلت يوما لرجل: يا مفلس، فذكر هذا لأبى سليمان الدارانيّ فقال: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين أتوا. و مثلنا قد كثرت ذنوبنا فلم ندر من أين نؤتى، و لا بأي ذنب نؤخذ. و كان إذا دعي إلى وليمة يدخل منزله فيقول: ايتوني بشربة سويق فيشربها و يقول: إني أكره أن أحمل جوعي إلى موائدهم و طعامهم: و كان يدخل السوق نصف النهار فيكبر اللَّه و يسبحه و يذكره و يقول: إنها ساعة غفلة الناس، و قال: إذا أراد اللَّه بعبد خيرا جعل له واعظا