البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٣ - أما الحسن
و لقلبه بما جنت يداه كالما، و سلط اللَّه على ماله سالبا و خالسا، و لم يأمل العطب في سائر وجوه الطلب و قيل: إن هذا لغيره، و اللَّه أعلم.
و قال الحسن: أربع من كنّ فيه ألقى اللَّه عليه محبته. و نشر عليه رحمته: من رق لوالديه، و رق لمملوكه، و كفل اليتيم، و أعان الضعيف. و سئل الحسن عن النفاق فقال: هو اختلاف السر و العلانية و المدخل و المخرج، و قال: ما خافه إلا مؤمن، و لا أمنه إلا منافق- يعنى النفاق- و حلف الحسن:
ما مضى مؤمن و لا بقي إلا و هو يخاف النفاق، و في رواية: إلا و هو من النفاق مشفق، و لا مضى منافق و لا بقي إلا و هو من النفاق آمن. و كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن: كيف حبك الدينار و الدرهم؟ قال: لا أحبهما، فكتب إليه: تولّ فإنك تعدل. و قال إبراهيم بن عيسى: ما رأيت أطول حزنا من الحسن، و ما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، و قال مسمع: لو رأيت الحسن لقلت: قد بث عليه حزن الخلائق. و قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أحزن من الحسن و عمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما. و قال ابن أسباط: مكث الحسن ثلاثين سنة لم يضحك، و أربعين سنة لم يمزح. و قال: ما سمع الخلائق بعورة بادية، و عين باكية مثل يوم القيامة. و قال:
ابن آدم! إنك ناظر غدا إلى عملك يوزن خيره و شره، فلا تحقرن شيئا من الشر أن تتقيه، فإنك إذا رأيته غدا في ميزانك سرك [١] مكانه. و قال: ذهبت الدنيا و بقيت أعمالكم قلائد في أعناقكم و قال: ابن آدم! بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، و لا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا، و هذا مأثور عن لقمان أنه قاله لولده.
و قال الحسن: تجد الرجل قد لبس الأحمر و الأبيض و قال: هلموا فانظروا إلى، قال الحسن:
قد رأيناك يا أفسق الفاسقين فلا أهلا بك و لا سهلا، فأما أهل الدنيا فقد اكتسبوا بنظرهم إليك مزيد حرص على دنياهم، و جرأة على شهوات الغنى في بطونهم و ظهورهم. و أما أهل الآخرة فقد كرهوك و مقتوك. و قال: إنهم و إن هملجت بهم البراذين، و زفرت بهم البغال، و وطئت أعقابهم الرجال، إن ذل المعاصي لا يفارق رقابهم، يأبى اللَّه إلا أن يذل من عصاه.
و قال فرقد: دخلنا على الحسن فقلنا: يا أبا سعيد: ألا يعجبك من محمد بن الأهتم؟ فقال: ما له؟
فقلنا: دخلنا عليه آنفا و هو يجود بنفسه فقال: انظروا إلى ذاك الصندوق- و أومأ إلى صندوق في جانب بيته- فقال: هذا الصندوق فيه ثمانون ألف دينار- أو قال: درهم- لم أؤد منها زكاة، و لم أصل منها رحما، و لم يأكل منها [محتاج]. فقلنا: يا أبا عبد اللَّه، فلمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزمان، و مكاثرة الأقران، و جفوة السلطان. فقال: انظروا من أين أتاه شيطانه فخوفه روعة زمانه،
[١] كذا بالأصل و فيه نقص يظهر بالتأمل.