البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٠ - فصل
قال: و لم؟ قال: إنك إن عملت بها كنت أفضل من عمر، لأنه كان يجد على الخير أعوانا، و أنت لا تجد من يعينك على الخير. و قد روى أنه كان نقش خاتمه لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، و في رواية آمنت باللَّه، و في رواية الوفاء عزيز. و قد جمع يوما رءوس الناس فخطبهم فقال: إن فدك كانت بيد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يضعها حيث أراه اللَّه، ثم وليها أبو بكر و عمر كذلك، قال الأصمعي: و ما أدرى ما قال في عثمان، قال: ثم إن مروان أقطعها فحصل لي منها نصيب، و وهبنى الوليد و سليمان نصيبهما، و لم يكن من مالي شيء أرده أغلى منها، و قد رددتها في بيت المال على ما كانت عليه في زمان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). قال: فيئس الناس عند ذلك من المظالم، ثم أمر بأموال جماعة من بنى أمية فردها إلى بيت المال و سماها أموال المظالم، فاستشفعوا إليه بالناس، و توسلوا اليه بعمته فاطمة بنت مروان فلم ينجع فيه شيء، و قال لهم: لتدعنى و إلا ذهبت إلى مكة فنزلت عن هذا الأمر لأحق الناس به، و قال: و اللَّه لو أقمت فيكم خمسين عاما ما أقمت فيكم إلا ما أريد من العدل، و إني لأريد الأمر فما أنفذه إلا مع طمع من الدنيا حتى تسكن قلوبهم.
و قال الامام أحمد عن عبد الرزاق عن أبيه عن وهب بن منبه أنه قال: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز، و نحو هذا قال قتادة و سعيد بن المسيب و غير واحد. و قال طاووس:
هو مهدي و ليس به، إنه لم يستكمل العدل كله، إذا كان المهدي ثبت على المسيء من إساءته، و زيد المحسن في إحسانه، سمح بالمال شديد على العمال رحيم بالمساكين. و قال مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال: الخلفاء أبو بكر و العمران، فقيل له: أبو بكر و عمر قد عرفناهما فمن عمر الآخر؟ قال: يوشك إن عشت أن تعرفه، يريد عمر بن عبد العزيز، و في رواية أخرى عنه أنه قال: هو أشج بنى مروان. و قال عباد السماك و كان يجالس سفيان الثوري-: سمعت الثوري يقول: الخلفاء خمسة، أبو بكر، و عمر، و عثمان، و على، و عمر بن عبد العزيز. و هكذا روى عن أبى بكر بن عياش و الشافعيّ و غير واحد. و أجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل و أحد الخلفاء الراشدين و الأئمة المهديين. و ذكره غير واحد في الأئمة الاثني عشر، الذين جاء فيهم الحديث الصحيح:
«لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى يكون فيهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش».
و قد اجتهد (رحمه اللَّه) في مدة ولايته- مع قصرها- حتى رد المظالم، و صرف إلى كل ذي حق حقه، و كان مناديه في كل يوم ينادى: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟
حتى أغنى كلا من هؤلاء. و قد اختلف العلماء أيهم أفضل هو أو معاوية بن أبى سفيان؟ ففضل بعضهم عمر لسيرته و معدلته و زهده و عبادته، و فضل آخرون معاوية لسابقته و صحبته، حتى قال بعضهم:
ليوم شهده معاوية من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خير من عمر بن عبد العزيز و أيامه و أهل بيته. و ذكر ابن