البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٢ - فصل
بعبد في الدنيا إلا رفق اللَّه به يوم القيامة. و خرج ابن له و هو صغير يلعب مع الغلمان فشجه صبي منهم، فاحتملوا الصبى الّذي شج ابنه و جاءوا به إلى عمر، فسمع الجلبة فخرج إليهم، فإذا مريئة تقول: إنه ابني و إنه يتيم، فقال لها عمر: هوني عليك، ثم قال لها عمر: أ له عطاء في الديوان؟ قالت: لا! قال:
فاكتبوه في الذرية. فقالت زوجته فاطمة: أ تفعل هذا به و قد شج ابنك؟ فعل اللَّه به و فعل، المرة الأخرى يشج ابنك ثانية. فقال: ويحك، إنه يتيم و قد أفزعتموه. و قال مالك بن دينار: يقولون مالك زاهد، أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها جملة.
قالوا: و لم يكن له سوى قميص واحد فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس، و قد وقف مرة على راهب فقال له: ويحك عظني، فقال له: عليك بقول الشاعر:-
تجرد من الدنيا فإنك إنما* * * خرجت إلى الدنيا و أنت مجرد
قال: و كان يعجبه و يكرره و عمل به حق العمل. قالوا: و دخل على امرأته يوما فسألها أن تقرضه درهما أو فلوسا يشترى له بها عنبا، فلم يجد عندها شيئا، فقالت له: أنت أمير المؤمنين و ليس في خزانتك ما تشترى به عنبا؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال و الأنكال غدا في نار جهنم.
قالوا: و كان سراج بيته على ثلاث قصبات في رأسهن طين، قالوا: و بعث [يوما غلامه ليشوى له لحمة فجاءه بها سريعا مشوية، فقال: أين شويتها؟ قال: في المطبخ، فقال: في مطبخ المسلمين؟ قال:
نعم. فقال: كلها فانى لم أرزقها، هي رزقك. و سخنوا له الماء في المطبخ العام فرد بدل ذلك بدرهم حطبا. و قالت زوجته: ما جامع و لا احتلم و هو خليفة. قالوا: و بلغ عمر بن عبد العزيز عن أبى سلام الأسود أنه يحدث عن ثوبان بحديث الحوض فبعث إليه فأحضره على البريد و قال له، كالمتوجع له: يا أبا سلام ما أردنا المشقة عليك، و لكن أردت أن تشافهنى بالحديث مشافهة،
فقال: سمعت ثوبان يقول قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن، و أحلى من العسل، و أكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، و أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين، الشعث رءوسا، الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المتنعمات، و لا تفتح لهم السدد».
فقال عمر: لكنى نكحت المتنعمات، فاطمة بنت عبد الملك، فلا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث، و لا ألقى ثوبي حتى يتسخ. قالوا: و كان له سراج يكتب عليه حوائجه، و سراج لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين، لا يكتب على ضوئه لنفسه حرفا. و كان يقرأ في المصحف كل يوم أول النهار، و لا يطيل القراءة، و كان له ثلاثمائة شرطي، و ثلاثمائة حرسى، و أهدى له رجل من أهل بيته تفاحا فاشتمه ثم رده مع الرسول، و قال له: قل له قد بلغت محلها، فقال له رجل:
يا أمير المؤمنين إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يقبل الهدية، و هذا رجل من أهل بيتك، فقال: إن الهدية