البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٣ - فصل
كانت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هدية، فأما نحن فهي لنا رشوة. قالوا: و كان يوسع على عماله في النفقة، يعطى الرجل منهم في الشهر مائة دينار، و مائتي دينار، و كان يتأول أنهم إذا كانوا في كفاية تفرغوا لأشغال المسلمين، فقالوا له: لو أنفقت على عيالك كما تنفق على عمالك؟ فقال: لا أمنعهم حقا لهم، و لا أعطيهم حق غيرهم. و كان أهله قد بقوا في جهد عظيم فاعتذر بأن معهم سلفا كثيرا من قبل ذلك، و قال يوما لرجل من ولد على: إني لأستحي من اللَّه أن تقف ببابي و لا يؤذن لك، و قال لآخر منهم:
إني لأستحي من اللَّه و أرغب بك أن أدنسك بالدنيا لما أكرمكم اللَّه به. و قال أيضا: كنا نحن و بنو عمنا بنو هاشم مرة لنا و مرة علينا، نلجأ إليهم و يلجئون إلينا، حتى طلعت شمس الرسالة فأكسدت كل نافق، و أخرست كل منافق، و أسكتت كل ناطق.
و قال أحمد بن مروان: ثنا أبو بكر ابن أخى خطاب ثنا خالد بن خداش ثنا حماد بن زيد عن موسى بن أيمن الراعي- و كان يرعى الغنم لمحمد بن عيينة- قال: كانت الأسد و الغنم و الوحش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز في موضع واحد، فعرض ذات يوم لشاه منها ذئب فقلت: إنا للَّه، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك. قال فحسبناه فوجدناه قد هلك في تلك الليلة. و رواه غيره عن حماد فقال: كان يرعى الشاة بكرمان فذكر نحوه، و له شاهد من وجه آخر، و من دعائه: اللَّهمّ إن رجالا أطاعوك فيما أمرتهم و انتهوا عما نهيتهم، اللَّهمّ و إن توفيقك إياهم كان قبل طاعتهم إياك، فوفقني.
و منه: اللهم إن عمر ليس بأهل أن تناله رحمتك، و لكن رحمتك أهل أن تنال عمر. و قال له رجل:
أبقاك اللَّه ما كان البقاء خيرا لك، فقال: هذا شيء قد فرغ منه، و لكن قل: أحياك اللَّه حياة طيبة، و توفاك مع الأبرار. و قال له رجل: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ فقال: أصبحت بطيئا بطينا، متلوثا بالخطايا، أتمنى على اللَّه عز و جل. و دخل عليه رجل [١] فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك كانت الخلافة لهم زين، و أنت زين الخلافة، و إنما مثلك يا أمير المؤمنين كما قال الشاعر [٢]
و إذا الدر زان حسن وجوه* * * كان للدر حسن وجهك زينا
قال: فأعرض عنه عمر. و قال رجاء بن حيوة: سمرت عند عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فعشى السراج فقلت: يا أمير المؤمنين: ألا أنبه هذا الغلام يصلحه؟ فقال: لا! دعه ينام، لا أحب أن أجمع عليه عملين. فقلت: أ فلا أقوم أصلحه؟ فقال: لا! ليس من المروءة استخدام الضيف، ثم قام بنفسه فأصلحه و صب فيه زيتا ثم جاء و قال: قمت و أنا عمر بن عبد العزيز، و جلست و أنا عمر ابن عبد العزيز، و قال: أكثروا ذكر النعم فان ذكرها شكرها. و قال: إنه ليمنعني من كثرة ذكرها مخافة المباهاة، و بلغه أن رجلا من أصحابه توفى، فجاء إلى أهله ليعزيهم فيه، فصرخوا في وجهه
[١] هو بلال بن أبى بردة حفيد بن أبى موسى الأشعري رضى اللَّه عنه
[٢] هو مالك بن أسماء.