البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٤ - فصل
بالبكاء عليه، فقال: مه، إن صاحبكم لم يكن يرزقكم، و إن الّذي يرزقكم حي لا يموت، و إن صاحبكم هذا] [١] لم يسد شيئا من حفركم، و إنما سد حفرة نفسه، ألا و إن لكل امرئ منكم حفرة لا بد و اللَّه أن يسدها، إن اللَّه عز و جل لما خلق الدنيا حكم عليها بالخراب، و على أهلها بالفناء، و ما امتلأت دار خبرة إلا امتلأت عبرة، و لا اجتمعوا إلا تفرقوا، حتى يكون اللَّه هو الّذي يرث الأرض و من عليها، فمن كان منكم باكيا فليبك على نفسه، فان الّذي صار إليه صاحبكم كل الناس يصيرون إليه غدا.
و قال ميمون بن مهران: خرجت مع عمر إلى القبور فقال لي: يا أبا أيوب! هذه قبور آبائي بنى أمية، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم و عيشهم، أما تراهم صرعى قد خلت بهم المثلات، و استحكم فيهم البلاء؟ ثم بكى حتى غشي عليه، ثم أفاق فقال: انطلقوا بنا فو اللَّه لا أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور، و قد أمن من عذاب اللَّه، ينتظر ثواب اللَّه. و قال غيره: خرج عمر بن عبد العزيز في جنازة فلما دفنت قال لأصحابه: قفوا حتى آتى قبور الأحبة، فأتاهم فجعل يبكى و يدعو، إذ هتف به التراب فقال: يا عمر ألا تسألنى ما فعلت في الأحبة؟ قال قلت: و ما فعلت بهم؟
قال: مزقت الأكفان، و أكلت اللحوم، و شدخت المقلتين، و أكلت الحدقتين، و نزعت الكفين من الساعدين، و الساعدين من العضدين، و العضدين من المنكبين، و المنكبين من الصلب، و القدمين من الساقين، و الساقين من الفخذين، و الفخذين من الورك، و الورك من الصلب. فلما أراد أن يذهب قال له: يا عمر أدلك على أكفان لا تبلى؟ قال: و ما هي؟ قال: تقوى اللَّه و العمل الصالح.
و قال مرة لرجل من جلسائه: لقد أرقت الليلة مفكرا، قال: و فيم يا أمير المؤمنين؟ قال: في القبر و ساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث في قبره، و ما صار إليه، لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته، و لرأيت بيتا تجول فيه الهوام، و تخترق فيه الديدان، و يجرى فيه الصديد، مع تغير الريح، و بلى الأكفان بعد حسن الهيئة و طيب الريح، و نقاء الثوب، قال: ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه. و قال مقاتل بن حيان: صليت وراء عمر بن عبد العزيز فقرأ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ فجعل يكررها و ما يستطيع أن يتجاوزها. و قالت امرأته فاطمة: ما رأيت أحدا أكثر صلاة و صياما منه، و لا أحدا أشد فرقا من ربه منه، كان يصلى العشاء ثم يجلس يبكى حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه فلا يزال يبكى حتى تغلبه عيناه، قالت: و لقد كان يكون معى في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، و يجلس يبكى، فأطرح عليه اللحاف رحمة له، و أنا أقول:
يا ليت كان بيننا و بين الخلافة بعد المشرقين، فو اللَّه ما رأينا سرورا منذ دخلنا فيها.
[١] سقط من المصرية.