البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٩ - و هذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي و ذكر وفاته
الحجاج فسلم عليه، و قال له: إني ذاهب إلى أمير المؤمنين، فهل من حاجة لك عنده؟ قال: نعم! تسأله أن يعزلني عن القضاء. فقال: سبحان اللَّه!! و اللَّه لا أعلم قاضيا اليوم خيرا منك. ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه: يا أبة أ تقوم إلى رجل من تحبيب و أنت ثقفي؟ فقال له: يا بنى و اللَّه إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا و أمثاله. فقال: و اللَّه ما على أمير المؤمنين أضر من هذا و أمثاله، فقال: و لم يا بنى؟ قال: لأن هذا و أمثاله يجتمع الناس إليهم فيحدثونهم عن سيرة أبى بكر و عمر، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين و لا يرونها شيئا عند سيرتهما فيخلعونه و يخرجون عليه و يبغضونه، و لا يرون طاعته، و اللَّه لو خلص لي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا و أمثاله. فقال له أبوه: يا بنى و اللَّه إني لأظن أن اللَّه عز و جل خلقك شقيا. و هذا يدل على أن أباه كان ذا و جاهة عند الخليفة، و أنه كان ذا فراسة صحيحة، فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك، قالوا: و كان مولد الحجاج في سنة تسع و ثلاثين، و قيل في سنة أربعين، و قيل في سنة إحدى و أربعين، ثم نشأ شابا لبيبا فصيحا بليغا حافظا للقرآن، قال بعض السلف: كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة، و قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح منه و من الحسن البصري، و كان الحسن أفصح منه. و قال الدار قطنى: ذكر سليمان بن أبى منيح عن صالح بن سليمان قال قال عقبة بن عمرو:
ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض، إلا الحجاج و إياس بن معاوية، فان عقولهما كانت ترجح على عقول الناس. و تقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث و سبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد اللَّه بمكة فحاصره بها و أقام للناس الحج عامئذ، و لم يتمكن و من معه من الطواف بالبيت، و لا تمكن ابن الزبير و من عنده من الوقوف، و لم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث و سبعين، ثم استنابه عبد الملك على مكة و المدينة و الطائف و اليمن، ثم نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر، فدخل الكوفة كما ذكرنا، و قال لهم و فعل بهم ما تقدم إيراده مفصلا، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة، و فتح فيها فتوحات كثيرة، هائلة منتشرة، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند و السند، ففتح فيها جملة مدن و أقاليم، و وصلت خيوله أيضا إلى قريب من بلاد الصين، و جرت له فصول قد ذكرناها. و نحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور و الجراءة و الاقدام، و التهاون في الأمور العظام، مما يمدح على مثله و مما يذم بقوله و فعله، مما ساقه الحافظ ابن عساكر و غيره:
فروى أبو بكر بن أبى خيثمة عن يحيى بن أيوب عن عبد اللَّه بن كثير ابن أخى إسماعيل بن جعفر المديني ما معناه: أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيب- و ذلك قبل أن يلي شيئا- فجعل يرفع قبل الامام و يقع قبله في السجود، فلما سلم أخذ سعيد بطرف ردائه- و كان له ذكر يقوله بعد الصلاة- فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه سعيد