البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٩ - ذكر سبب وفاته (رحمه اللَّه)
يروحها و يقول: أصابك من الحر ما أصابنى. و قال له رجل: جزاك اللَّه عن الإسلام خيرا. فقال:
بل جزى اللَّه الإسلام عنى خيرا. و يقال إنه كان يلبس تحت ثيابه مسحا غليظا من شعر، و يضع في رقبته غلا إذا قام يصلى من الليل، ثم إذا أصبح وضعه في مكان و ختم عليه فلا يشعر به أحد، و كانوا يظنونه مالا أو جوهرا من حرصه عليه، فلما مات فتحوا ذلك المكان فإذا فيه غل و مسح.
و كان يبكى حتى يبكى الدم من الدموع، و يقال إنه بكى فوق سطح حتى سال دمعه من الميزاب، و كان يأكل من العدس ليرق قلبه و تغزر دمعته، و كان إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله، و قرأ رجل عنده وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ الآية، فبكى بكاء شديدا ثم قام فدخل منزله و تفرق الناس عنه، و كان يكثر أن يقول: اللَّهمّ سلم سلم، و كان يقول: اللَّهمّ أصلح من كان في صلاحه صلاح لأمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أهلك من كان في هلاكه صلاح أمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال: أفضل العبادة أداء الفرائض و اجتناب المحارم. و قال: لو أن المرء لا يأمر بالمعروف و لا ينهى عن المنكر حتى يحكم أمر نفسه لتواكل الناس الخير، و لذهب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و لقل الواعظون و الساعون للَّه بالنصيحة. و قال: الدنيا عدوة أولياء اللَّه، و ولية أعداء اللَّه، أما الأولياء فغمتهم و أحزنتهم، و أما الأعداء فغرتهم و شتتهم و أبعدتهم عن اللَّه. و قال: قد أفلح من عصم من المراء و الغضب و الطمع. و قال لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا، قال: لو كنت كذلك لم تقله. و قال: أزهد الناس في الدنيا على بن أبى طالب. و قال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها سؤال ربه، أعطى أو منع. و قال: قيدوا العلم بالكتاب، و قال لرجل: علم ولدك الفقه الأكبر: القناعة و كف الأذى.
و تكلم رجل عنده فأحسن فقال: هذا هو السحر الحلال. و قصته مع أبى حازم مطولة حين رآه خليفة و قد شحب وجهه من التقشف، و تغير حاله، فقال له: أ لم يكن ثوبك نقيا؟ و وجهك وضيا؟ و طعامك شهيا؟ و مركبك وطيا؟
فقال له: أ لم تخبرني عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «إن من ورائكم عقبة كئودا لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول»؟
ثم بكى حتى غشي عليه، ثم أفاق فذكر أنه لقي في غشيته تلك أن القيامة قد قامت، و قد استدعى بكل من الخلفاء الأربعة، فأمر بهم إلى الجنة، ثم ذكر من بينه و بينهم فلم يدر ما صنع بهم، ثم دعي هو فأمر به إلى الجنة، فلما انفصل لقيه سائل فسأله عما كان من أمره فأخبره، ثم قال للسائل: فمن أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف، قتلني ربى بكل قتلة قتلة، ثم ها أنا أنتظر ما ينتظره الموحدون. و فضائله و مآثره كثيرة جدا، و فيما ذكرنا كفاية و للَّه الحمد و المنة، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و لا حول و لا قوة لنا إلا به.
ذكر سبب وفاته (رحمه اللَّه)
كان سببها السل، و قيل سببها أن مولى له سمه في طعام أو شراب، و أعطى على ذلك ألف