البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٩ - فصل
و عفى قبره، و أجرى عليه الماء لكيلا ينبش و يحرق و اللَّه أعلم.
و قال الأصمعي: ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمائة درهم. و قال الواقدي: ثنا عبد اللَّه بن محمد بن عبيد حدثني عبد الرحمن بن عبيد اللَّه بن فرق: ثنا عمى قال: زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمائة درهم و مصحفا و سيفا و سرجا و رحلا و مائة درع موقوفة. و قال شهاب بن خراش: حدثني عمى يزيد بن حوشب قال: بعث إلى أبو جعفر المنصور فقال: حدثني بوصية الحجاج ابن يوسف، فقال: اعفنى يا أمير المؤمنين، فقال: حدثني بها، فقلت: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و أنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيى، و عليها يموت، و عليها يبعث، و أوصى بتسعمائة درع حديد، ستمائة منها لمنافقى أهل العراق يغزون بها، و ثلاثمائة للترك. قال: فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبى العباس الطوسي- و كان قائما على رأسه- فقال: هذه و اللَّه الشيعة لا شيعتكم.
و قال الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانا، قال: ثم رأيته بعد الحول ففلت: يا أبا محمد ما صنع اللَّه بك؟ فقال: يا ماصّ بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول؟ و قال القاضي أبو يوسف: كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال: في أي زي رأيته؟ قال: في زي قبيح.
فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: ما أنت و ذاك يا ماصّ بظر أمه! فقال هارون: صدق و اللَّه، أنت رأيت الحجاج حقا، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حيا و ميتا. و قال حنبل بن إسحاق: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة بن أبى شوذب عن أشعث الخراز. قال: رأيت الحجاج في المنام في حالة سيئة فقلت: يا أبا محمد ما صنع بك ربك؟ قال: ما قتلت أحدا قتلة إلا قتلني بها. قال ثم أمر بى إلى النار، قلت ثم مه، قال ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا اللَّه. قال: و كان ابن سيرين يقول: إني لأرجو له، فبلغ ذلك الحسن فقال: أما و اللَّه ليخلفن اللَّه رجاءه فيه. و قال أحمد بن أبى الحواري:
سمعت أبا سليمان الدارانيّ يقول: كان الحسن البصري لا يجلس مجلسا إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال: فرآه في منامه فقال له: أنت الحجاج؟ قال: أنا الحجاج، قال: ما فعل اللَّه بك؟ قال:
قتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين. قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه و اللَّه أعلم.
[و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا حمزة بن العباس حدثنا عبد اللَّه بن عثمان أنبأ ابن المبارك أنبأنا سفيان. قال: قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافدا و معه معاوية بن قرة، فسأل عبد الملك معاوية عن الحجاج فقال: إن صدقنا كم قتلتمونا، و إن كذبناكم خشينا اللَّه عز و جل، فنظر إليه الحجاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف] [١].
[١] سقط من نسخة الأستانة.