البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤١ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
يسافروا في ملك غيرهم لكثرة أموالهم و متاعهم، و غيرهم محتاج إليهم لما عندهم من المتاع و الدنيا المتسعة، و سائر ملوك تلك البلاد تؤدى إلى ملك الصين الخراج، لقهره و كثرة جنده و عدده. و المقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين وجدوا مملكة عظمة حصينة [ذات أنهار و أسواق و حسن و بهاء، فدخلوا عليه في قلعة عظيمة حصينة] [١] بقدر مدينة كبيرة، فقال لهم ملك الصين: ما أنتم؟
- و كانوا ثلاثمائة رسول عليهم هبيرة- فقال الملك لترجمانه: قل لهم: ما أنتم و ما تريدون؟ فقالوا:
نحن رسل قتيبة بن مسلم، و هو يدعوك إلى الإسلام، فان لم تفعل فالجزية، فان لم تفعل فالحرب.
فغضب الملك و أمر بهم إلى دار، فلما كان الغد دعاهم فقال لهم: كيف تكونون في عبادة إلهكم؟ فصلوا الصلاة على عادتهم فلما ركعوا و سجدوا ضحك منهم، فقال: كيف تكونون في بيوتكم؟ فلبسوا ثياب مهنهم، فأمرهم بالانصراف، فلما كان من الغد أرسل إليهم فقال: كيف تدخلون على ملوككم؟ فلبسوا الوشي و العمائم و المطارف و دخلوا على الملك، فقال لهم: ارجعوا فرجعوا، فقال الملك لأصحابه: كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى، و هم أولئك. فلما كان اليوم الثالث: أرسل إليهم فقال لهم كيف تلقون عدوكم؟ فشدوا عليهم سلاحهم و لبسوا المغافر و البيض و تقلدوا السيوف و نكبوا القسي و أخذوا الرماح و ركبوا خيولهم و مضوا، فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمرين، فقيل لهم: ارجعوا- و ذلك لما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم- فانصرفوا فركبوا خيولهم و اختلجوا رماحهم ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ فقالوا: ما رأينا كهؤلاء قط. فلما أمسوا بعث إليهم الملك أن ابعثوا إلى زعيمكم و أفضلكم، فبعثوا إليه هبيرة، فقال له الملك حين دخل عليه: قد رأيتم عظم ملكي، و ليس أحد يمنعكم منى، و أنتم بمنزلة البيضة في كفى، و أنا سائلك عن أمر فان تصدقني و إلا قتلتك، فقال: سل! فقال الملك: لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم و الثاني و الثالث؟ فقال: أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا و نسائنا و طيبنا عندهم، و أما ما فعلنا ثانى يوم فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا، و أما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا.
فقال الملك: ما أحسن ما دبرتم دهركم، فانصرفوا إلى صاحبكم- يعنى قتيبة- و قولوا له ينصرف راجعا عن بلادي، فانى قد عرفت حرصه و قلة أصحابه، و إلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم.
فقال له هبيرة: تقول لقتيبة هذا؟! فكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك و آخرها في منابت الزيتون؟ و كيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها، و غزاك في بلادك؟ و أما تخويفك إيانا بالقتل فانا نعلم أن لنا أجلا إذا حضر فأكرمها عندنا القتل، فلسنا نكرهه و لا نخافه.
[١] سقط من نسخة الأستانة.