البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٢ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
فقال الملك: فما الّذي يرضى صاحبكم؟ فقال: قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك و يختم ملوكك و يجبى الجزية من بلادك، فقال أنا أبر يمينه و أخرجه منها، أرسل إليه بتراب من أرضى، و أربع غلمان من أبناء الملوك، و أرسل إليه ذهبا كثيرا و حريرا و ثيابا صينية لا تقوّم و لا يدرى قدرها، ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة، ثم اتفق الحال على أن بعث صحافا من ذهب متسعة فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة، و بعث بجماعة من أولاده و أولاده الملوك ليختم رقابهم، و بعث بمال جزيل ليبر بيمين قتيبة، و قيل إنه بعث أربعمائة من أولاده و أولاد الملوك، فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه، و ذلك لأنه كان قد انتهى إليه خبر موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، فانكسرت همته لذلك، و قد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على ترك مبايعة سليمان بن عبد الملك، و أراد الدعوة إلى نفسه. لما تحت يده من العساكر، و لما فتح من البلاد و الأقاليم فلم يمكنه ذلك، ثم قتل في آخر هذه السنة (رحمه اللَّه تعالى)، فإنه يقال إنه ما كسرت له راية، و كان من المجاهدين في سبيل اللَّه، و اجتمع له من العساكر ما لم يجتمع لغيره. و فيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة، و غزا العباس بن الوليد الروم، ففتح طولس و المرزبانين من بلاد الروم.
و فيها تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بإنية أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان (رحمه اللَّه تعالى) و جزاه خيرا، و كان أصل موضع هذا الجامع قديما معبدا بنته اليونان الكلدانيون الذين كانوا بعمرون دمشق، و هم الذين وضعوها و عمروها أولا، فهم أول من بناها، و قد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتميزة، و هي القمر في السماء الدنيا، و عطارد في السماء الثانية، و الزهرة في السماء الثالثة، و الشمس في الرابعة، و المريخ في الخامسة، و المشترى في السادسة، و زحل في السابعة. و قد كانوا صوروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلا لكوكب من هذه الكواكب السبعة، و كانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصدا لذلك، فنصبوا هياكل سبعة لكل كوكب هيكل، و كان لهم عند كل باب من أبواب دمشق عيد في السنة، و هؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد و تكلموا على حركات الكواكب و اتصالاتها و مقارنتها، و بنوا دمشق و اختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين الجبلين، و صرفوه أنهارا تجرى إلى الأماكن المرتفعة و المنخفضة، و سلكوا الماء في أفناء أبنية الدور بدمشق، فكانت دمشق في أيامهم من أحسن المدن، بل هي أحسنها، لما فيها من التصاريف العجيبة، و بنوا هذا المعبد و هو الجامع اليوم في جهة القطب، و كانوا يصلون إلى القطب الشمالي، و كانت محاريبهم إلى جهته، و كان باب معبدهم يفتح إلى جهة القبلة، خلف المحراب اليوم، كما شاهدنا ذلك عيانا، و رأينا محاريبهم إلى جهة القطب، و رأينا الباب و هو باب حسن مبنى بحجارة منقوشة، و عليه كتاب بخطهم، و عن يمينه و يساره بابان صغيران بالنسبة