البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٥ - عبد اللَّه بن أبى أوفى
و تباكوا مثل يوم مات النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أجاب من له ملك متاخم للمسجد للبيع فاشترى منهم، و شرع في بنائه و شمر عن إزاره و اجتهد في ذلك، و أرسل الوليد إليه فعولا كثيرة، فأدخل فيه الحجرة النبويّة- حجرة عائشة- فدخل القبر في المسجد، و كانت حده من الشرق و سائر حجر أمهات المؤمنين كما أمر الوليد، و روينا أنهم لما حفروا الحائط الشرقي من حجرة عائشة بدت لهم قدم فخشوا أن تكون قدم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى تحققوا أنها قدم عمر رضى اللَّه عنه، و يحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد- كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدا- و اللَّه أعلم و ذكر ابن جرير أن الوليد كتب إلى ملك الروم يسأله أن يبعث له صناعا للبناء، فبعث إليه بمائة صانع و فصوص كثيرة من أجل المسجد النبوي، و المشهور أن هذا إنما كان من أجل مسجد دمشق فاللَّه أعلم. و كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يحفر الفوارة بالمدينة، و أن يجرى ماءها ففعل، و أمره أن يحفر الآبار و أن يسهل الطرق و الثنايا، و ساق إلى الفوارة الماء من ظاهر المدينة، و الفوارة بنيت في ظاهر المسجد عند بقعة رآها فأعجبته.
و فيها غزا قتيبة بن مسلم ملك الترك كور بغانون ابن أخت ملك الصين، و معه مائتا ألف مقاتل، من أهل الصغد و فرغانة و غيرهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، و كان مع قتيبة نيزك ملك الترك مأسورا فكسرهم قتيبة بن مسلم و غنم من أموالهم شيئا كثيرا، و قتل منهم خلقا و سبى و أسر.
و فيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز و معه جماعات من أشراف قريش، فلما كان بالتنعيم لقيه طائفة من أهل مكة فأخبروه عن قلة الماء بمكة لقلة المطر، فقال لأصحابه: ألا نستمطر؟ فدعا و دعا الناس فما زالوا يدعون حتى سقوا و دخلوا مكة و معهم المطر، و جاء سيل عظيم حتى خاف أهل مكة من شدة المطر، و مطرت عرفة و مزدلفة و منى، و أخصبت الأرض هذه السنة خصبا عظيما بمكة و ما حولها، و ذلك ببركة دعاء عمر و من كان معه من الصالحين. و كان النواب على البلدان في هذه السنة هم الذين كانوا قبلها.
و ممن توفى فيها من الأعيان
- عبد اللَّه بن بسر بن أبى بسر المازني
صحابى كأبيه، سكن حمص، و روى عنه جماعة من التابعين، قال الواقدي: توفى في هذه السنة عن أربع و تسعين سنة، زاد غيره و هو آخر من توفى من الصحابة بالشام، و قد جاء في الحديث أنه يعيش قرنا، فعاش مائة سنة.
عبد اللَّه بن أبى أوفى
علقمة بن خالد بن الحارث الخزاعي ثم الأسلمي، صحابى جليل، و هو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة، و كانت وفاته فيما قاله البخاري سنة تسع أو ثمان و ثمانين، و قال الواقدي و غير واحد: سنة ست و ثمانين، و قد جاوز المائة، و قيل قاربها رضى اللَّه عنه
.