البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٢ - عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
و أمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية. سمع عثمان بن عفان، و شهد الدار مع أبيه و هو ابن عشر سنين، و هو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة ثنتين و أربعين، و كان أميرا على أهل المدينة، و له ست عشرة سنة، ولاه إياها معاوية، و كان يجالس الفقهاء و العلماء و العباد و الصلحاء و روى الحديث عن أبيه و جابر و أبى سعيد الخدريّ و أبى هريرة و ابن عمر و معاوية و أم سلمة و بريرة مولاة عائشة. و روى عنه جماعة منهم خالد بن معدان و عروة و الزهري و عمرو بن الحارث و رجاء بن حيوة و جرير بن عثمان. ذكر عن محمد بن سيرين أن أباه كان قد سماه القاسم و كان يكنى بأبي القاسم، ثم غير اسمه فسماه عبد الملك، قال ابن أبى خيثمة عن مصعب بن الزبير: و كان أول من سمى في الإسلام بعبد الملك، قال ابن أبى خيثمة: و أول من سمى في الإسلام بأحمد والد الخليل بن أحمد العروضي. و بويع له بالخلافة في سنة خمس و ستين في حياة أبيه في خلافة ابن الزبير، و بقي على الشام و مصر مدة سبع سنين، و ابن الزبير على باقي البلاد، ثم استقل بالخلافة على سائر البلاد و الأقاليم بعد مقتل ابن الزبير، و ذلك في سنة ثلاث و سبعين إلى هذه السنة كما ذكرنا ذلك، و كان مولده و مولد يزيد بن معاوية في سنة ست و عشرين، و قد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء الملازمين للمسجد التالين للقرآن، و كان ربعة من الرجال أقرب إلى القصر. و كانت أسنانه مشبكة بالذهب، و كان أفوه مفتوح الفم، فربما غفل فينفتح فمه فيدخل فيه الذباب، و لهذا كان يقال له أبو الذباب. و كان أبيض ربعة ليس بالنحيف و لا البادن، مقرون الحاجبين أشهل كبير العينين دقيق الأنف مشرق الوجه أبيض الرأس و اللحية حسن الوجه لم يخضب، و يقال إنه خضب بعد. و قد قال نافع: لقد رأيت المدينة و ما فيها شاب أشد تشميرا و لا أفقه و لا أقرأ لكتاب اللَّه من عبد الملك ابن مروان، و قال الأعمش عن أبى الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب و عروة و قبيصة ابن ذؤيب و عبد الملك بن مروان قبل أن يدخل في الامارة. و عن ابن عمر أنه قال: ولد الناس أبناء و ولد مروان أبا- يعنى عبد الملك- و رآه يوما و قد ذكر اختلاف الناس، فقال: لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه، و قال عبد الملك: كنت أجالس بريدة بن الحصيب فقال لي يوما:
يا عبد الملك إن فيك خصالا، و إنك لجدير أن تلى أمر هذه الأمة، فاحذر الدماء
فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق».
و قد أثنى عليه قبل الولاية معاوية و عمرو بن العاص في قصة طويلة، و قال سعيد بن داود الزبيري عن مالك عن يحيى بن سعيد بن داود الزبيري قال: كان أول من صلى ما بين الظهر و العصر عبد الملك بن مروان و فتيان معه، فقال سعيد بن المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة و الصوم، إنما العبادة التفكر في أمر اللَّه و الورع عن محارم اللَّه. و قال الشعبي: