البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٢ - ثم دخلت سنة سبع و ثمانين
حولهم من الأتراك، فأتوهم في جمع عظيم فأخذوا على قتيبة الطرق و المضايق، فتواقف هو و هم قريبا من شهرين و هو لا يقدر أن يبعث إليهم رسولا و لا يأتيه منهم رسول، و أبطأ خبره على الحجاج حتى خاف عليه و أشفق على من معه من المسلمين من كثرة الأعداء من الترك، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد و كتب بذلك إلى الأمصار، و قد كان قتيبة و من معه من المسلمين يقتتلون مع الترك في كل يوم، و كان لقتيبة عين من العجم يقال له تندر، فأعطاه أهل بخارى ما لا جزيلا على أن يأتى قتيبة فيخذله عنهم، فجاء إليه فقال له: أخلنى، فأخلاه فلم يبق عنده سوى رجل يقال له ضرار بن حصين، فقال له تندر:
هذا عامل يقدم عليك سريعا بعزل الحجاج، فلو انصرفت بالناس إلى مرو، فقال قتيبة لمولاه سياه اضرب عنقه فقتله، ثم قال لضرار: لم يبق أحد سمع هذا غيري و غيرك و إني أعطى اللَّه عهدا إن ظهر هذا حتى ينقضي حربنا ألحقتك به، فاملك علينا لسانك، فان انتشار هذا في مثل هذا الحال ضعف في أعضاد الناس و نصرة للأعداء، ثم نهض قتيبة فحرض الناس على الحرب، و وقف على أصحاب الرايات يحرضهم، فاقتتل الناس قتالا شديدا ثم أنزل اللَّه على المسلمين الصبر فما انتصف النهار حتى أنزل اللَّه عليهم النصر فهزمت الترك هزيمة عظيمة، و اتبعهم المسلمون يقتلون فيهم و يأسرون ما شاءوا، و اعتصم من بقي منهم بالمدينة، فأمر قتيبة الفعلة بهدمها فسألوه الصلح على مال عظيم فصالحهم، و جعل عليهم رجلا من أهله و عنده طائفة من الجيش ثم سار راجعا، فلما كان منهم على خمس مراحل نقضوا العهد و قتلوا الأمير و جدعوا أنوف من كان معه، فرجع إليها و حاصرها شهرا. و أمر النقابين و الفعلة فعلقوا سورها على الخشب و هو يريد أن يضرم النار فيها، فسقط السور فقتل من الفعلة أربعين نفسا، فسألوه الصلح فأبى، و لم يزل حتى افتتحها فقتل المقاتلة و سبى الذرية و غنم الأموال، و كان الّذي ألب على المسلمين رجل أعور منهم، فأسر فقال أنا أفتدي نفسي بخمسة أثواب صينية قيمتها ألف ألف، فأشار الأمراء على قتيبة بقبول ذلك منه، فقال قتيبة: لا و اللَّه لا أروع بك مسلما مرة ثانية، و أمر به فضربت عنقه. و هذا من الزهد في الدنيا، ثم إن الغنائم سيدخل فيها ما أراد أن يفتدى به نفسه فان المسلمين قد غنموا من بيكند شيئا كثيرا من آنية الذهب و الفضة و الأصنام من الذهب، و كان من جملتها صنم سبك فخرج منه مائة ألف و خمسون ألف دينار من الذهب، و وجدوا في خزائن الملك أموالا كثيرا و سلاحا كثيرا و عددا متنوعة، و أخذوا من السبي شيئا كثيرا، فكتب قتيبة [إلى الحجاج يسأله] أن يعطى ذلك للجند فأذن له فتمول المسلمون و تقووا على قتال الأعداء، و صار لكل واحد منهم مال مستكثر جدا، و صارت لهم أسلحة و عدد و خيول كثيرة فقووا بذلك قوة عظيمة و للَّه الحمد و المنة.
و قد حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة، و قاضيه بها أبو بكر بن محمد بن