البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٠ - على بن الحسين
يا نفس حتام إلى الدنيا سكونك، و إلى عمارتها ركونك، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك و من وارته الأرض من ألّافك؟ و من فجعت به من إخوانك، و نقل إلى الثرى من أقرانك؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها، محاسنهم فيها بوال دواثر.
خلت دورهم منهم و أقوت عراصهم* * * و ساقتهم نحو المنايا المقادر
و خلوا عن الدنيا و ما جمعوا لها* * * و ضمهم تحت التراب الحفائر
كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون، و كم غيرت الأرض ببلائها، و غيبت في ترابها، ممن عاشرت من صنوف و شيعتهم إلى الأمارس، ثم رجعت [عنهم إلى عمل أهل الإفلاس:-
و أنت على الدنيا مكب منافس* * * لخطابها فيها حريص مكاثر
على خطر تمشى و تصبح لاهيا* * * أ تدري بما ذا لو عقلت تخاطر
و إن امرأ يسعى لدنياه دائبا* * * و يذهل عن أخراه لا شك خاسر
فحتام على الدنيا إقبالك؟ و بشهواتها اشتغالك؟ و قد و خطك القتير، و أتاك النذير، و أنت عما يراد بك ساه و بلذة يومك و غدك لاه، و قد رأيت انقلاب أهل الشهوات، و عاينت ما حل بهم من المصيبات،
و في ذكر هول الموت و القبر و البلى* * * عن اللهو و اللذات للمرء زاجر
أبعد اقتراب الأربعين تربص* * * و شيب قذال منذر للكابر
كأنك معنى بما هو ضائر* * * لنفسك عمدا و عن الرشد حائر
انظر إلى الأمم الماضية و الملوك الفانية كيف اختطفتهم عقبان الأيام، و وافاهم الحمام، فانمحت من الدنيا آثارهم، و بقيت فيها أخبارهم، و أضحوا رمما في التراب، إلى يوم الحشر و المآب،
أمسحوا رميما في التراب و عطلت* * * مجالسهم منهم و أخلى مقاصر
و حلوا بدار لا تزاور بينهم* * * و أنى لسكان القبور التزاور
فما أن ترى الا قبورا قد ثووا بها* * * مسطحة تسفى عليها الأعاصر
كم من ذي منعة و سلطان و جنود و أعوان، تمكن من دنياه، و نال فيها ما تمناه، و بنى فيها القصور و الدساكر، و جمع فيها الأموال و الذخائر، و ملح السراري و الحرائر.
فما صرفت كف المنية إذ أتت* * * مبادرة تهوى إليه الذخائر
و لا دفعت عنه الحصون التي بنى* * * و حف بها أنهاره و الدساكر
و لا قارعت عنه المنية حيلة* * * و لا طمعت في الذب عنه العساكر
أتاه من اللَّه ما لا يرد، و نزل به من قضائه ما لا يصد، فتعالى اللَّه الملك الجبار، المتكبر العزيز القهار، قاصم الجبارين، و مبيد المتكبرين، الّذي ذل لعزه كل سلطان، و أباد بقوته كل ديان.