البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٨ - على بن الحسين
الزهري يقول: على بن الحسين أعظم الناس على منة.
و قال سفيان بن عيينة كان على بن الحسين يقول: لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم، و ما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعة.
و ذكروا أنه زوج أمه من مولى له و أعتق أمه فتزوجها فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك، فكتب إليه لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً و قد أعتق صفية فتزوجها، و زوج مولاه زيد بن حارثة من بنت عمه زينب بنت جحش.
قالوا: و كان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين دينارا، فإذا جاء الصيف تصدق بها، و يلبس في الصيف الثياب المرقعة و دونها و يتلو قوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ.
(و قد روى من طرق ذكرها الصولي و الجريريّ و غير واحد أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه و أخيه الوليد، فطاف بالبيت، فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم و جلس عليه، و قام أهل الشام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل على بن الحسين، فلما دنا من الحجر ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالا له و هيبة و احتراما، و هو في بزة حسنة، و شكل مليح، فقال أهل الشام لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه- استنقاصا به و احتفارا؟ لئلا يرغب فيه أهل الشام- فقال الفرزدق- و كان حاضرا- أنا أعرفه، فقالوا: و من هو؟ فأشار الفرزدق يقول:
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته* * * و البيت يعرفه و الحل و الحرم
هذا ابن خير عباد اللَّه كلهم* * * هذا التقى النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها* * * إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت* * * عن نيلها عرب الإسلام و العجم
يكاد يمسكه عرفان راحته* * * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضى حياء و يغضى من مهابته* * * فما يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحها عبق* * * من كف أروع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول اللَّه نبعته* * * طابت عناصرها و الخيم و الشيم
ينجاب نور الهدى من نور غرته* * * كالشمس ينجاب عن إشراقها الغيم
حمال أثقال أقوام إذا فدحوا* * * حلو الشمائل تحلو عنده نعم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله* * * بجده أنبياء اللَّه قد ختموا
من جده دان فضل الأنبياء له* * * و فضل أمته دانت لها الأمم