البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٧ - فصل
فسألته فقال: رأيت كأنى دفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنها بساط أخضر و إذا فيها قصر كأنه الفضة فخرج منه خارج فنادى أين محمد بن عبد اللَّه، أين رسول اللَّه؟ إذ أقبل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عمر بن الخطاب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عثمان بن عفان؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين على بن أبى طالب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عمر بن عبد العزيز؟
فقمت فدخلت فجلست إلى جانب أبى عمر بن الخطاب، و هو عن يسار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أبو بكر عن يمينه، و بينه و بين رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رجل، فقلت: لأبي: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ثم سمعت هاتفا يهتف بيني و بينه نور لا أراه، و هو يقول: يا عمر بن عبد العزيز تمسك بما أنت عليه، و اثبت على ما أنت عليه، ثم كأنه أذن لي في الخروج فخرجت، فالتفت فإذا عثمان بن عفان و هو خارج من القصر و هو يقول: الحمد للَّه الّذي نصرني ربى، و إذا على في إثره و هو يقول: الحمد للَّه الّذي غفر لي ربى.
فصل
و قد ذكرنا في دلائل النبوة الحديث الّذي رواه أبو داود في سننه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «إن اللَّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها».
فقال جماعة من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل فيما ذكره ابن الجوزي و غيره: إن عمر بن عبد العزيز كان على رأس المائة الأولى، و إن كان هو أولى من دخل في ذلك و أحق، لإمامته و عموم ولايته، و قيامه و اجتهاده في تنفيذ الحق، فقد كانت سيرته شبيهة، بسيرة عمر بن الخطاب، و كان كثيرا ما تشبه به. و قد جمع الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي سيرة لعمر بن الخطاب و عمر بن عبد العزيز، و قد أفردنا سيرة عمر بن الخطاب في مجلد على حدة، و مسندة في مجلد ضخم، و أما سيرة عمر بن عبد العزيز فقد ذكرنا منها طرفا صالحا هنا، يستدل به على ما لم نذكره.
و قد كان عمر (رحمه اللَّه) يعطى من انقطع إلى المسجد الجامع من بلده و غيرها، للفقه و نشر العلم و تلاوة القرآن، في كل عام من بيت المال مائة دينار، و كان يكتب إلى عماله أن يأخذوا بالسنة، و يقول: إن لم تصلحهم السنة فلا أصلحهم اللَّه، و كتب إلى سائر البلاد أن لا يركب ذمي من اليهود و النصارى و غيرهم على سرج، و لا يلبس قباء و لا طيلسانا لا السراويل. و لا يمشين أحد منهم إلا بزنار من جلد، و هو مقرون الناصية، و من وجد منهم في منزله سلاح أخذ منه. و كتب أيضا أن لا يستعمل على الأعمال إلا أهل القرآن، فان لم يكن عندهم خير فغيرهم أولى أن لا يكون عنده خير. و كان يكتب إلى عماله: اجتنبوا الأشغال عند حضور الصلاة، فان من أضاعها فهو لما سواها