البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٩ - خلافة يزيد بن عبد الملك
[و من استخف بما حرم اللَّه عليه فاللَّه أشد عقوبة له و أشد تنكيلا] [١].
خلافة يزيد بن عبد الملك
بويع له بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك أن يكون ولى الأمر من بعد عمر بن عبد العزيز، فلما توفى عمر في رجب من هذه السنة- أعنى سنة إحدى و مائة- بايعه الناس البيعة العامة، و عمره إذ ذاك تسع و عشرون سنة، فعزل في رمضان منها عن إمرة المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، و ولى عليها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، فجرت بينه و بين أبى بكر بن حزم منافسات و ضغائن، حتى آل الأمر إلى أن استدرك عليه حكومة فحده حدين فيها و فيها كانت وقعة بين الخوارج، و هم أصحاب بسطام الخارجي، و بين جند الكوفة، و كانت الخوارج جماعة قليلة، و كان جيش الكوفة نحوا من عشرة آلاف فارس، و كادت الخوارج أن تكسرهم، فتذامروا بينهم فطحنوا الخوارج طحنا عظيما، و قتلوهم عن آخرهم، فلم يبقوا منهم ثائرة.
و فيها خرج يزيد بن المهلب فخلع يزيد بن عبد الملك و استحوذ على البصرة، و ذلك بعد محاصرة طويلة، و قتال طويل، فلما ظهر عليها بسط العدل في أهلها، و بذل الأموال، و حبس عاملها عدي ابن أرطاة، لأنه كان قد حبس آل المهلب الذين كانوا بالبصرة، حين هرب يزيد بن المهلب من محبس عمر بن عبد العزيز، كما ذكرنا، و لما ظهر على قصر الإمارة أتى بعدي بن أرطاة فدخل عليه و هو يضحك، فقال يزيد بن المهلب: إني لأعجب من ضحكك، لأنك هربت من القتال كما تهرب النساء، و إنك جئتني و أنت تتلّ كما يتل العبد. فقال عدي: إني لأضحك لأن بقائي بقاء لك:
و أن من ورائي طالبا لا يتركني، قال: و من هو؟ قال: جنود بنى أمية بالشام، و لا يتركونك، فدارك نفسك قبل أن يرمى إليك البحر بأمواجه، فتطلب الاقالة فلا تقال. فرد عليه يزيد جواب ما قال، ثم سجنه كما سجن أهله، و استقر أمر يزيد بن المهلب على البصرة، و بعث نوابه في النواحي و الجهات، و استناب في الأهواز، و أرسل أخاه مدرك بن المهلب على نيابة خراسان، و معه جماعة من المقاتلة، فلما بلغ خبره الخليفة يزيد بن عبد الملك جهز ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في أربعة آلاف، مقدمة بين يدي عمه مسلمة بن عبد الملك، و هو في جنود الشام، قاصدين البصرة لقتاله، و لما بلغ يزيد بن المهلب مخرج الجيوش إليه خرج من البصرة و استناب عليها أخاه مروان بن المهلب، و جاء حتى نزل واسط، و استشار من معه من الأمراء فيما ذا يعتمده؟ فاختلفوا عليه في الرأى، فأشار عليه بعضهم بأن يسير إلى الأهواز ليتحصن في رءوس الجبال، فقال: إنما تريدون أن تجعلوني طائرا في رأس جبل؟ و أشار عليه رجال أهل العراق أن يسير إلى الجزيرة فينزلها بأحصن حصن فيها، و يجتمع
[١] من أول الفصل إلى هنا زيادة من المصرية.