البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٧ - فصل
قصر أقوام دينهم فحفوا، و طمح عنهم آخرون فغلوا، فرحم اللَّه ابن عبد العزيز. ما أحسن هذا القول الّذي ما يخرج إلا من قلب قد امتلأ بالمتابعة و محبة ما كان عليه الصحابة، فمن الّذي يستطيع أن يقول مثل هذا من الفقهاء و غيرهم؟ ف(رحمه اللَّه) و عفا عنه.
و روى الخطيب البغدادي من طريق يعقوب بن سفيان الحافظ عن سعيد بن أبى مريم عن رشيد بن سعيد قال: حدثني عقيل عن شهاب عن عمر بن عبد العزيز. قال: سن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و خلفاؤه بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب اللَّه، و استعمال لطاعة اللَّه، ليس على أحد تغييرها و لا تبديلها، و لا النظر في رأى من خالفها، فمن اقتدى بما سبق هدى، و من استبصر بها أبصر، و من خالفها و اتبع غير سبيل المؤمنين ولاه اللَّه ما تولى، و أصلاه جهنم و ساءت مصيرا.
و أمر عمر بن عبد العزيز مناديه ذات يوم فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطبهم فقال في خطبته: إني لم أجمعكم إلا أن المصدق منكم بما بين يديه من لقاء اللَّه و الدار الآخرة و لم يعمل لذلك و يستعد له أحمق، و المكذب له كافر. ثم تلا قوله تعالى أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ و قوله تعالى وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ و روى ابن أبى الدنيا عنه أنه أرسل أولاده مع مؤدب لهم إلى الطائف يعلمهم هناك، فكتب إليه عمر: بئس ما علّمت، إذ قدّمت إمام المسلمين صبيا لم يعرف النية [١]- أو لم تدخله النية- ذكره في كتاب النية له. و روى ابن أبى الدنيا في كتاب الرقة و البكاء، عن مولى لعمر بن عبد العزيز أنه قال له: يا بنى ليس الخير أن يسمع لك و تطاع، و إنما الخير أن تكون قد غفلت عن ربك عز و جل ثم أطعته، يا بنى لا تأذن اليوم لأحد على حتى أصبح و يرتفع النهار، فانى أخاف أن لا أعقل عن الناس و لا يفهمون عنى، فقال له مولاه: رأيتك البارحة بكيت بكاء ما رأيتك بكيت مثله، قال فبكى ثم قال: يا بنى إني و اللَّه ذكرت الوقوف بين يدي اللَّه عز و جل. قال: ثم غشي عليه فلم يفق حتى علا النهار، قال: فما رأيته بعد ذلك متبسما حتى مات.
و قرأ ذات يوم وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً الآية، فبكى بكاء شديدا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة فجلست تبكى لبكائه و بكى أهل الدار لبكائهما، فجاء ابنه عبد الملك فدخل عليهم و هم على تلك الحال، فقال له: يا أبة ما يبكيك؟ فقال: يا بنى خير، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا و لم تعرفه، و اللَّه يا بنى لقد خشيت أن أهلك و أن أكون من أهل النار.
و روى ابن أبى الدنيا عن عبد الأعلى بن أبى عبد اللَّه العنبري. قال: رأيت عمر بن عبد العزيز
[١] كذا بالأصول و الظاهر أن فيه نقصا.