البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧١ - ثم دخلت سنة سبع و ثمانين
بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة، فعزم الوليد على أخذ بقية الكنيسة منهم و عوضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف، و قيل عوضهم عنها كنيسة توما، و هدم بقية هذه الكنيسة و أضافها إلى مسجد الصحابة، و جعل الجميع مسجدا واحدا على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيرا في البنيان و الزينات و الآثار و العمارات، و اللَّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة سبع و ثمانين
ففيها عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن إمرة المدينة و ولى عليها ابن عمه و زوج أخته فاطمة بنت عبد الملك عمر بن عبد العزيز، فدخلها على ثلاثين بعيرا في ربيع الأول منها، فنزل دار مروان و جاء الناس للسلام عليه، و عمره إذ ذاك خمس و عشرون سنة، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة و هم عروة بن الزبير، و عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و أبو بكر بن سليمان بن خيثمة، و سليمان بن يسار، و القاسم بن محمد، و سالم بن عبد اللَّه بن عمر، و أخوه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، و عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، و خارجة بن زيد بن ثابت. فدخلوا عليه فجلسوا فحمد اللَّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه و تكونون فيه أعوانا على الحق، إني لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فان رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحرّج على من بلغه ذلك إلا أبلغنى. فخرجوا من عنده يجزونه خيرا، و افترقوا على ذلك. و كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بأن يوقف هشام بن إسماعيل للناس عند دار مروان- و كان يسيء الرأى فيه- لأنه أساء إلى أهل المدينة في مدة ولايته عليهم، و كانت نحوا من أربع سنين، و لا سيما إلى سعيد بن المسيب و على بن الحسين. قال سعيد بن المسيب لابنه و مواليه: لا يعرض منكم أحد لهذا الرجل فىّ، تركت ذلك للَّه و للرحم. و أما كلامه فلا أكلمه أبدا، و أما على بن الحسين فإنه مر به و هو موقوف فلم يتعرض له و كان قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض أحد منهم له، فلما اجتاز به و تجاوزه ناداه هشام اللَّه يعلم حيث يجعل رسالاته و في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل منهم خلقا كثيرا، و فتح حصونا كثيرة و غنم غنائم جمة، و يقال إن الّذي غزا بلاد الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح حصن بولق، و حصن الأخرم، و بحيرة الفرمسان، و حصن بولس، و قميقم، و قتل من المستعربة نحوا من ألف و سبى ذراريهم. و فيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الترك و صالحه ملكهم نيزك على مال جزيل، و على أن يطلق كل من ببلاده من أسارى المسلمين، و فيها غزا قتيبة بيكند فاجتمع له من الأتراك عندها بشر كثير و جم غفير، و هي من أعمال بخارى، فلما نزل بأرضهم استنجدوا عليه بأهل الصغد و من