البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨١ - فصل
فاعرفوا مكاني، فليس شيء في السموات و الأرضين إلا أنا، و خلقي كلهم لا يقوم و لا يدوم إلا بى، و يتقلب في قبضتي، و يعيش برزقي، و حياته و موته و بقاؤه و فناؤه بيدي، فليس له محيص و لا ملجأ غيري، لو تخليت عنه طرفة عين لدمر كله، و كنت أنا على حالي لا ينقصني ذلك شيئا، و لا ينقص ذلك ملكي شيئا، و أنا مستغن بالعز كله في جبروتي و ملكي، و برهان نوري، و شديد بطشي، و علو مكاني، و عظمة شأنى، فلا شيء مثلي، و لا إله غيري، و ليس ينبغي لشيء خلقته أن يعدل بى و لا ينكرنى، و كيف ينكرنى من خلقته يوم خلقته على معرفتي؟، أم كيف يكابرنى من قهر قهره ملكي؟ أم كيف يعجزنى من ناصيته بيدي؟ أم كيف يعدل بى من أعمره و أسقم جسمه و أنقص عقله و أتوفى نفسه و أخلقه و أهرمه فلا يمتنع منى؟ أم كيف يستنكف عن عبادتي عبدي و ابن عبدي و ابن أمتى، و من لا ينسب إلى خالق و لا وارث غيري؟ أم كيف يعبد دوني من تخلقه الأيام، و يفنى أجله اختلاف الليل و النهار؟ و هما شعبة يسيرة من سلطاني؟ فإليّ إلى يا أهل الموت و الفناء، لا إلى غيري، فانى كتبت الرحمة على نفسي و قضيت العفو و المغفرة لمن استغفرني، أغفر الذنوب جميعا، صغيرها و كبيرها لمن استغفرني، و لا يكبر ذلك على و لا يتعاظمني، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و لا تقنطوا من رحمتي، فان رحمتي سبقت غضبى، و خزائن الخير كلها بيدي، و لم أخلق شيئا مما خلقت لحاجة كانت منى إليه، و لكن لأبين به قدرتي، و لينظر الناظرون في ملكي، و يتدبروا حكمتى، و ليسبحوا بحمدي و يعبدوني لا يشركوا بى شيئا، و لتعنو الوجوه كلها إلى.
و قال أشرس عن وهب قال قال داود: إلهي أين أجدك؟ قال عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي.
و قال كان رجل من بنى إسرائيل صام سبعين أسبوعا يفطر في كل أسبوع يوما و هو يسأل اللَّه أن يريه كيف يغوى الشيطان الناس، فلما أن طال ذلك عليه و لم يجب، قال في نفسه: لو أقبلت على خطيئتي و على ذنوبي و ما بيني و بين ربى لكان خيرا من هذا الأمر الّذي أطلب، ثم أقبل على نفسه فقال:
يا نفس من قبلك أتيت، لو علم اللَّه فيك خيرا لقضي حاجتك. فأرسل اللَّه ملكا إلى نبيهم: أن قل لفلان العابد: إزراؤك على نفسك و كلامك الّذي تكلمت به، أعجب إلى مما مضى من عبادتك، و قد أجاب اللَّه سؤالك، و فتح بصرك فانظر الآن، فنظر فإذا أحبولة لإبليس قد أحاطت بالأرض، و إذا ليس أحد من بنى آدم إلا و حوله شياطين مثل الذباب، فقال: إي رب، و من ينجو من هؤلاء؟
قال صاحب القلب الوادع اللين.
و قال وهب: كان رجل من السائحين فأتى على أرض فيها قثاء فدعته نفسه إلى أخذ شيء منه، فعاقبها فقام مكانه يصلى ثلاثة أيام، فمرّ به رجل و قد لوّحته الشمس و الريح، فلما نظر إليه قال: