البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٢ - فصل
سبحان اللَّه!! لكأنما أحرق هذا الإنسان بالنار، فقال السائح: هكذا بلغ منى ما ترى خوف النار، فكيف بى لو قد دخلتها؟! و قال: كان رجل من الأولين أصاب ذنبا فقال: للَّه عليّ أن لا يظلني سقف بيت أبدا حتى تأتينى براءة من النار، فكان بالصحراء في الحر و القر، فمر به رجل فرأى شدة حاله فقال: يا عبد اللَّه ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: بلغ ما ترى ذكر جهنم، فكيف بى إذا أنا وقعت فيها!؟. و قال: لا يكون البطال من الحكماء أبدا، و لا يرث الزناة من ملكوت السماء، و قال وهب في موعظته: اليوم يعظ السعيد، و يستكثر من منافعه اللبيب، يا ابن آدم إنما جمعت من منافع هذا اليوم لدفع ضرر الجهالة عنك، و إنما أوقدت فيه مصابيح الهدى لتنبه لحزبك، فلم أر كاليوم ضل مع نوره متحير داع لمداواة سليم، يا ابن آدم! إنه لا أقوى من خالق، و لا أضعف من مخلوق، و لا أقدر ممن طلبته في يده، و لا أضعف ممن هو في يد طالبه، يا ابن آدم إنه قد ذهب منك ما لا يرجع إليك، و أقام عندك ما سيذهب، فما الجزع مما لا بدّ منه؟ و ما الطمع فيما لا يرتجى؟ و ما الحيلة في بقاء ما سيذهب؟ يا ابن آدم اقصر عن طلب ما لا تدرك، و عن تناول ما لا تناله، و عن ابتغاء ما لا يوجد، و اقطع الرجاء عنك كما قعدت به عنك الأشياء، و اعلم أنه ربّ مطلوب هو شر لطالبه، يا ابن آدم إنما الصبر عند المصيبة، و أعظم من المصيبة سوء الخلق منها، يا ابن آدم أي أيام الدهر ترتجى؟ يوم يجيء في عتم أو يوم تستأخر عاقبته عن أوان مجيئه؟ فانظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام، يوم مضى لا ترجوه، و يوم لا بد منه، و يوم يجيء لا تأمنه، فأمس شاهد عليك مقبول، و أمين مؤد، و حكيم مؤدب، قد فجعك بنفسه، و خلف فيك حكمته. و اليوم صديق مودع، كان طويل الغيبة عنك، و هو سريع الظعن إياك و لم يأته، و قد مضى قبله شاهد عدل، فان كان ما فيه لك فاشفعه بمثله أوثق لك باجتماع شهادتهما عليك.
يا ابن آدم إنما أهل الدنيا سفر لا يحلون عقد رحالهم إلا في غيرها، و إنما يتبلغون بالعواري فما أحسنه- يعنى الشكر- للمنعم و التسليم للمعاد، يا ابن آدم إنما الشيء من مثله و قد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد ذهاب أصله؟! إنما يقر الفرع بعد الأصل. يا ابن آدم إنه لا أعظم رزية في عقله ممن ضيع اليقين و أخطأ العمل. أيها الناس! إنما البقاء بعد الفناء، و قد خلقنا و لم نكن، و سنبلى ثم نعود، ألا و إنما العواري اليوم و الهنات غدا، ألا و إنه قد تقارب منا سلب فاحش، أو عطاء جزيل، فأصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه. أيها الناس!! إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا، و إن ما أنتم فيه من دنياكم نهب للمصائب، لا تنالون فيها نعمة إلا بفراق الأخرى، و لا يستقبل منكم معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، و لا يتخذ له زيادة في ماله إلا بنفاد ما قبله من رزقه، و لا يحيى له أثر إلا مات له أثر. نسأل اللَّه أن يبارك لنا و لكم فيما مضى من هذه العظة.