البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٣ - و هذه ترجمة عمر بن عبد العزيز الأموي الامام المعروف المشهور (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه
المدينة فسأله عنه فقال: ما خبرت أحدا اللَّه أعظم في صدره من هذا الغلام. و روى يعقوب بن سفيان أن عمر بن عبد العزيز تأخر عن الصلاة مع الجماعة يوما فقال صالح بن كيسان: ما شغلك؟ فقال:
كانت مرّجلتى تسكن شعرى، فقال له: قدّمت ذلك على الصلاة؟ و كتب إلى أبيه و هو على مصر يعلمه بذلك، فبعث أبوه رسولا فلم يكلمه حتى حلق رأسه. و كان عمر بن عبد العزيز يختلف إلى عبيد اللَّه بن عبد اللَّه يسمع منه، فبلغ عبيد اللَّه أن عمر ينتقص عليا، فلما أتاه عمر أعرض عبيد اللَّه عنه و قام يصلى، فجلس عمر ينتظره، فلما سلم أقبل على عمر مغضبا و قال له: متى بلغك أن اللَّه سخط على أهل بدر بعد أن رضى عنهم؟ قال ففهمها عمر و قال: معذرة إلى اللَّه ثم إليك، و اللَّه لا أعود، قال: فما سمع بعد ذلك يذكر عليا إلا بخير. و قال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا أبى ثنا المفضل بن عبد اللَّه عن داود بن أبى هند. قال: دخل علينا عمر بن عبد العزيز من هذا الباب- و أشار إلى باب من أبواب مسجد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- فقال رجل من القوم: بعث الفاسق لنا بابنه هذا يتعلم الفرائض و السنن، و يزعم أنه لن يموت حتى يكون خليفة، و يسير سيرة عمر بن الخطاب. قال داود: و اللَّه ما مات حتى رأينا ذلك فيه.
و قال الزبير بن بكار: حدثني العتبى قال: إن أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز حرصه على العلم و رغبته في الأدب، إن أباه ولى مصر و هو حديث السن يشك في بلوغه، فأراد أبوه إخراجه معه إلى مصر من الشام، فقال: يا أبة أو غير ذلك لعله يكون أنفع لي و لك؟ قال: و ما هو؟
قال: ترحّلنى إلى المدينة فأقعد إلى فقهائها و أتأدب بآدابهم، فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة، و أرسل معه الخدام، فقعد مع مشايخ قريش، و تجنب شبابهم، و ما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده، و قدمه على كثير منهم، و زوجه بابنته فاطمة، و هي التي يقول الشاعر فيها:
بنت الخليفة و الخليفة جدها* * * أخت الخلائف و الخليفة زوجها
قال: و لا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها.
قال العتبى: و لم يكن حاسد عمر بن عبد العزيز ينقم عليه شيئا سوى متابعته في النعمة، و الاختيال في المشية، و قد قال الأحنف بن قيس: الكامل من عدت هفواته و لا تعد إلا من قلة. و قد ورث عمر من أبيه من الأموال و المتاع و الدواب هو و إخوته ما لم يرثه غيره فيما نعلم، كما تقدم ذلك، و دخل يوما على عمه عبد الملك و هو يتجانف في مشيته فقال: يا عمر ما لك تمشى غير مشيتك؟ قال: إن فىّ جرحا، فقال: و أين هو من جسدك؟ قال: بين الرانفة و الصفن- يعنى بين طرف الالية و جلدة الخصية- فقال عبد الملك لروح بن زنباع: باللَّه لو رجل من قومك سئل عن هذا ما أجاب بمثل