البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٩ - سعيد بن المسيب
ابن جبير، أحسنه هذا و اللَّه أعلم] [١] و قد ذكرنا صفة مقتله إياه، و قد رويت آثار غريبة في صفة مقتله، أكثرها لا يصح، و قد عوقب الحجاج بعده و عوجل بالعقوبة، فلم يلبث بعده إلا قليلا ثم أخذه اللَّه أخذ عزيز مقتدر، كما سنذكر وفاته في السنة الآتية، فقيل إنه مكث بعده خمسة عشر يوما، و قيل أربعين يوما، و قيل ستة أشهر و اللَّه أعلم.
و اختلفوا في عمر سعيد بن جبير (رحمه اللَّه) حين قتل، فقيل تسعا و أربعين سنة، و قيل سبعا و خمسين فاللَّه أعلم. قال أبو القاسم اللالكائي: كان مقتله في سنة خمس و تسعين، و ذكر ابن جرير مقتله في هذه السنة- سنة أربع و تسعين- فاللَّه أعلم.
[قلت: هاهنا كلمات حسان من كلام سعيد بن جبير أحببت أن أذكرها. قال: إن أفضل الخشبة أن تخشى اللَّه خشية تحول بينك و بين معصيته، و تحملك على طاعته، فتلك هي الخشية النافعة. و الذكر طاعة اللَّه، فمن أطاع اللَّه فقد ذكره، و من لم يطعه فليس بذاكر له، و إن كثر منه التسبيح و تلاوة القرآن. قيل له: من أعبد الناس؟ قال: رجل اقترف من الذنوب، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله، و قال له الحجاج: ويلك! فقال: الويل لمن زحزح عن الجنة و أدخل النار، فقال:
اضربوا عنقه، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا خصمك عند اللَّه، فذبح من قفاه، فبلغ ذلك الحسن فقال: اللَّهمّ يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه فمات. و قال سعيد للحجاج لما أمر بقتله و ضحك فقال له: ما أضحكك؟ فقال: أضحك من غيراتك على و حلم اللَّه عنك] [٢]
سعيد بن المسيب
ابن حزن بن أبى وهب بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي أبو محمد المدنف، سيد التابعين على الإطلاق، ولد لسنتين مضتا و قبل بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، و قيل لأربع مضين منها، و قول الحاكم أبى عبد اللَّه إنه أدرك العشرة و هم منه و اللَّه أعلم. و لكن أرسل عنهم كما أرسل كثيرا عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و روى عن عمر كثيرا، فقيل سمع منه، و عن عثمان و على و سعيد و أبى هريرة، و كان زوج ابنته، و أعلم الناس بحديثه، و روى عن جماعة من الصحابة، و حدث عن جماعة من التابعين، و خلق ممن سواهم، قال ابن عمر: كان سعيد أحد المتقنين، و قال الزهري: جالسته سبع حجج و أنا لا أظن عند أحد علما غيره، و قال محمد بن إسحاق عن مكحول قال: طفت الأرض كلها في طلب العلم. فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب. و قال الأوزاعي: سئل الزهري و مكحول من
[ (١، ٢)] زيادة من المصرية.